من وقت إلى آخر أعود إلى قراءة التاريخ الطبيعي والثقافي للطيور والحيوانات والكائنات الحية التي نتعايش معها يومياً، ولكننا قليلاً ما نراقب سلوكها، وحتى تكيّفها التدريجي مع الإنسان، ومع ذلك فإن هذه الكائنات معرّضة للطرد والإبادة، بل والهجرة. إنها تكتسب أيضاً شيئاً من مصاير البشرية وشعورها التراجيدي كالحزن والصمت والعزلة أو الانطواء. وقد وفرّ لنا مشروع «كلمة» للترجمة في أبوظبي سلسلة طويلة متكاملة حول التاريخ الطبيعي والثقافي للحيوانات بأقلام كتّاب متخصصين في هذا الحقل المعرفي وحتى الفكري. وأيضاً، بترجمات حرفية نقلت هذه المادة المقروءة عند كل مستويات القرّاء إلى اللغة العربية بحيوية وصفاء.
يلفت القارئ فصل بعنوان «النحلة السياسية» في كتاب وضعته أستاذة دراسات عصر النهضة الباحثة البريطانية كلير برستون عن التاريخ الطبيعي والثقافي للنحلة، ونقلته إلى العربية جودي حلبية، وهي تتساءل في بداية هذا الفصل: هل توجد دولة تحت السماء تتفوّق في الحكم على مملكة النحل؟وتقول: لقد جعل القلق من الاضطراب السياسي والاجتماعي في بدايات العصر الحديث من النحلة مثالاً دائماً للكفاءة والحكم المتعقّل، لذلك أعجب كتّاب عصر النهضة الإنجليزي بالنحل، خاصة بحزم النحل في فرض العمل، وحكمه العملي الرشيد، ويظهر شعار معروف من عصر النهضة نحلاً معشّشة في خوذة فارس مع عبارة «من الحرب يأتي السلام»، ثم إن النحل يعرف النظام ربما قبل البشر «تمثّل النحلة النظام. إنها مثال القانون في الطبيعة. إطار منهجي من الطاعة التي تعزز السلام».
وتتساءل برستون: هل مستعمرة النحل هي نظام ملكي أم جمهوري؟ هل كانت مجتمعاً أمومياً أم ذكورياً؟ وتتساءل: ما هي قوانينه؟ وما إجراءاته وعقوباته؟ ومن أكثر تساؤلات برستون إدهاشاً ومفاجأة قولها: هل يمكن أن يطرح النحل حلولاً سياسية لحكومات الإنسان المتبعثرة؟
بعيداً عن تساؤلات هذه المرأة التي يبدو أنها تشبه النحلة، يمكن القول إن ممالك أرضية تحت الرمل مثل مملكة النمل، وفوق الرمل في الخلايا العسلية لا تعرف الفساد أو الاختلاس أو التلاعب في المال العام، لا غسل أموال، ولا تهريب ولا سرقات عند النملة. وعند النحلة التي لا تنتج العسل من أجلها، بل من أجلنا نحن البشر، ومع ذلك، نغش عسلها ونخرّبه بالغش التجاري من أجل حفنة دولارات إضافية.
ولكن ماذا عن النحلة اللّعوب؟ إنها ترقص وتغنّي بطريقتها، «وقد منحها ذلك في الثقافة الشعبية صفة إنسانية هي أنها محبوبة على نحو استثنائي».
هل يرفض النحل الطغيان؟ «تذكر نحلة عنيدة تدعى «بيتر» رفاقها أن ليس عليهم الانحناء للطغيان، وتقترح أن تهاجر وحدها إذا لم ينضم إليها أحد».
أمّا النحلة المتقاعدة، فهي ما إن تعتزل المجتمع حتى تموت.. والنحلة بمفردها مخلوق ضعيف آني، والفقير وحده يمتلك طول العمر.
النحلة أيضاً، ومن زاوية شعرية تماماً هذه المرّة وبعيداً عن تاريخها الطبيعي، هي قصيدة عسلية. قصيدة خفيفة طائرة، حياتها قصيرة، ولكنّها تترك لنا كل ما هو طيّب وحلو.
هل هناك ما هو أجمل من هذه السياسة النحلية؟
النحلة السياسية
6 سبتمبر 2018 03:28 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 سبتمبر 03:28 2018
شارك
يوسف أبو لوز