يوسف أبو لوز

حظيت قصيدة «في انتظار البرابرة» للشاعر اليوناني المصري قسطنطين كفافي 1863-1933، بما لم تحظ به قصيدة واحدة من الترجمات إلى العربية. وكل ترجمة لها اجتهادها بحيث لم تتطابق حرفياً ترجمة مع أخرى إلا في سطور قليلة، ولأن القصيدة تتحدث بكل بساطة عن أهل مدينة يتجمعون في الساحة العامة في انتظار وصول البرابرة إلى مدينتهم، ولكنهم لم يصلوا أبداً بعدما تهيأ الإمبراطور ومجلس وزرائه وقناصله وقضاته مبكراً لاستقبال البرابرة، وقد هيأوا لهم الخطب والقلائد والأحجار الكريمة وخواتم الزمرد الرائعة، ولم يصلوا، وهذه لعبة كفافي القصصية والشعرية في آن، تلك اللعبة التي فتحت شهية أكثر من عشرة مترجمين عرب على نقل هذه القصيدة إلى العربية باجتهادات ترجمانية مختلفة، حتى كادت القصيدة أن تكون لشاعر عربي، وليس لقسطنطين كفافي.

لكن المهم هنا أن كفافي «وفي ترجمات أخرى كفافيس» كتب، في رأيي، قصيدة أخرى أجمل، وأكثر عمقاً وقصصية من قصيدة «في انتظار البرابرة» التي روج لها مترجمون عرب لمجرد شهرتها وموضوعها القصصي القصير، والقصيدة تلك الأجمل والأعمق ل«كفافي» هي بعنوان «إيثاكا» أو «إيثاكة» موطن «بنيلوب» زوجة «عوليس» في أسطورة «الإلياذة»، المرأة المخلصة التي انتظرت زوجها عشر سنوات وهو تائه في البحر، ليعود أخيراً إلى «إيثاكة» حيث المرأة التي تكالب عليها كبار رجال المدينة طمعاً في الزواج منها، وهي ترفضهم جميعاً، لكن بطريقة لا تثير عداءهم إلى أن وصل عوليس إلى إيثاكة.

هذا في الإلياذة، ولكن، ماذا عن «إيثاكة قسطنطين كفافي»؟؟.. يقول، وباختصار مكثف لهذه القصيدة الرائعة حين تبدأ رحلتك إلى إيثاكة تمنّ أن تكون الطريق طويلة، ولا تخف من الوحوش، وتمنّ في طريق رحلتك أيضاً أن تكون الصباحات عديدة لسنين طويلة، وتجوّل في الأسواق التي تمرّ بها، واشتر منها المرجان واللآلئ. لا تتعجل في رحلتك بأي حال من الأحوال. وتمنّ أن يطول سفرك إلى سنوات طويلة. إلى أن يقول هذا السطر الرائع: «.. لا تتوقع أن تعطيك إيثاكة أيّ شيء.. لقد أعطتك إيثاكة الرحلة، ومن دونها ما كنت بدأت وليس لديها شيء آخر لتعطيك، وإذا وجدت إيثاكة فقيرة ومعوزة فهي لم تخدعك..».

.. وما أكثر المدن التي نتمنى أن يطول سفرنا إليها، ولا نريد منها أي شيء. فعلاً يكفي أنها أعطتنا الرحلة، والأجمل، أنها لم تخدعنا، تماماً مثل النساء اللواتي ليس لديهن أي شيء ليعطيننا إياه، فقط أعطيننا الرحلة، لنتركهن، ونسافر.

[email protected]