في السادس والتاسع من أغسطس/آب من كل عام، تحيي اليابان وبقية العالم الذكرى الكئيبة لتدمير مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بقنبلتين ذريتين أمريكيتين. ولكن العديد من العسكريين، والسياسيين، والمؤرخين عبر العالم رأوا أن ذلك القصف الذري لم يكن ضرورياً، لأن اليابان كانت قد هزمت أصلاً.
بعد 73 سنة من القصف الذري الأمريكي لمدينتي هيروشيما وناجازاكي، لايزال يسود اعتقاد على نطاق واسع بالرواية القائلة بأنه «لولاهما ( القنبلتان الذريتان ) لكانت أعداد أكبر من اليابانيين والأمريكيين قد قتلت في هجوم أمريكي على الجزر اليابانية»، حسبما قال الكاتب والمعلق الأمريكي - الياباني مايك هاشيموتي في مقال نشره في صحيفة «دالاس مورنينغ نيوز» في 2016.
وفي ذلك العام أيضا، قالت صحيفة «نيويورك تايمز» في تعليق: «يعتقد الكثير من المؤرخين أن قصف هيروشيما وناجازاكي، الذي أودى بأرواح أكثر من 200 ألف إنسان، أنقذ في الواقع العديد من الأرواح، لأن غزواً برياً للجزر اليابانية كان سيؤدي إلى إراقة دماء على نطاق أكبر بكثير».
ربما يعتقد ذلك الكثير من المؤرخين، ولكن ليس العديد منهم. فعلى العكس، كتب كبير مؤرخي لجنة التنظيم النووي الأمريكية
ج. صموئيل ووكر مقالا في مجلة «دبلوماتيك هيستوري» ( التاريخ الدبلوماسي ) الأمريكية عام 1990 قال فيه: «يجمع الباحثون على أن القنبلة ( الذرية ) لم تكن لازمة من أجل تجنب غزو اليابان وإنهاء الحرب خلال وقت قصير نسبيا. فقد كان واضحا في حينه إن هناك بدائل للقنبلة، وإن الرئيس الأمريكي هاري ترومان ومستشاريه كانوا يعرفون ذلك».
وبدوره، كشف المؤرخ الأمريكي مارتن شيروين زيف رواية «القنابل الذرية الجيدة»، مستشهدا ب «كم كبير من الأدلة الجديدة التي تبين أن القنبلة ربما كلفت أرواحاً أكثر ولم تنقذ أرواحاً - بمعنى أنه لو لم تكن الولايات المتحدة مصممة كليا على استكمال صنع القنبلة، واختبارها، ثم استخدامها، لكان من الممكن تماماً أن تحصل على استسلام اليابان قبل ذلك بأسابيع، الأمر الذي كان سيمنع إراقة الكثير من الدماء».
كما كتب المؤرخ الأمريكي غار ألبيروفيتز مقالا في 1967 قال فيه إن «الأدلة المتوافرة تبين أنه لم تكن هناك حاجة إلى القنبلة الذرية من أجل إنهاء الحرب أو لإنقاذ أرواح - والقادة الأمريكيون آنذاك كانوا يدركون ذلك». وأكدت صحة استنتاج ألبيروفيتز وثائق رفعت عنها السرية منذ ذلك الحين.
وفي الواقع، كانت القوات البرية والجوية الأمريكية قد هزمت اليابان فعليا قبل يوم 6 أغسطس/آب. وهذا ما أكده في حينه عشرات من القادة العسكريين الأمريكيين، مثل الجنرال كورتيس لوماي، الذي صرح علناً في يوم 20 سبتمبر/أيلول 1945 بالقول إن «الحرب كانت ستنتهي في غضون أسبوعين، من دون أن يدخل الاتحاد السوفييتي الحرب، ومن دون استخدام القنبلة الذرية».
يذكر أن الاتحاد السوفييتي أعلن الحرب على اليابان يوم 8 أغسطس/آب، أي بعد يومين من قصف هيروشيما.
وعندما سئل الجنرال لوماي، الذي قاد الحملة الجوية الأمريكية التي دمرت 67 مدينة يابانية باستخدام قنابل حارقة، أن يوضح فكرته، قال: «القنبلة الذرية لم يكن لها أي دور إطلاقا في إنهاء الحرب».
وفي الواقع، يعتقد الكثير من المؤرخين والباحثين أن استخدام أمريكا للسلاح الذري في الحرب إنما كان في جوهره إنذارا موجها إلى الاتحاد السوفييتي.
بدوره، روى الجنرال دوايت أيزنهاور ( الذي كان القائد الأعلى لقوات الحلفاء خلال الحرب ) في كتابه «تفويض من أجل التغيير» أنه عندما أبلغه وزير الحرب الأمريكي هنري ستيمسون أن أمريكا على وشك استخدام القنبلة الذرية ضد اليابان، «عبرت له عن شكوك جدية، خصوصاً على أساس اعتقادي أن اليابان هزمت أصلاً، وأن استخدام قنبلة ذرية ليس ضروريا إطلاقا».
وبرغم ذلك، لا يزال ملايين الأمريكيين يعتقدون حتى اليوم أن القتل الجماعي لمئتي ألف إنسان ( في هيروشيما وناجازاكي ) كان ضرورياً من أجل إنقاذ أرواح... وهذا يساعدهم على الشعور براحة ضميرهم.
كاتب وناشط سلمي أمريكي - موقع «كاونتر بانش»