تعرف «السيميائية» على أنها العلم الذي ينسق العلوم الأخرى، ويدرس الأشياء وخصائصها في توظيفها للعلامات، وكما يرى الفيلسوف الأمريكي تشارلز موريس فهي آلة كل العلوم أو علم العلوم؛ إذ إن كل علم يستخدم العلامة، وتظهر نتائجه طبقاً للعلامات، وقد ظهرت لهذا العلم اتجاهات كثيرة؛ منها ما يتعلق بالاتصال، فظهر ما يُعرف بـ«سيميائية التواصل»، والتي تُعنى بدراسة الوسائل المستخدمة؛ للتأثير والتواصل مع الآخرين؛ من خلال الاهتمام بالظاهرة اللغوية في هذه العملية، والتي تتجاوز التطبيق اللفظي إلى التعامل مع اللغة كبُعد للتعبير، يحقق الكثير من الانسجام؛ بفضل دلالات ورموز يستخدمها المُرسل، ويترجمها المُتلقي.
يذكر إيرك ميغري في كتاب له بعنوان: «سوسيولوجيا الاتصال والميديا» ترجمه لنا الدكتور نصرالدين لعياضي، أن مفهوم الاتصال أصبح أكثر اتساعاً؛ فأمسى يدل على الإرسال والتعبير والتسلية والمساعدة على البيع والتنوير والتمثيل والمداولة، ما أحدث الكثير من اللغط حول حقيقته.
إذا كانت العلوم الاجتماعية قد أحدثت ثورة كبيرة في أواخر القرن التاسع عشر، وهو القرن الذي ولد فيه هذا المفهوم مما حصر تناوله على فكرة التضليل والهيمنة واختزال التواصل الإنساني في الاتصال الآلي، فنحن اليوم بأمس الحاجة لإعادة النظر في محددات هذا الفضاء ثلاثي الأبعاد، والذي اتخذته البشرية مسكناً، وخصوصاً بعد انفجار المعلوماتية، وتفشيها في كل جوانب حياتنا اليومية.
إن فكرة الاتصال يجب تناولها بحسب ميغري كظاهرة طبيعية وثقافية وإبداعية، فهي في المستوى الأول آلية تقنية، وفي الثاني تعبير عن الهوية والاختلاف والانتماء، وفي الثالث معيارية وأخلاقية وسياسية، وبهذا المعنى لا يمكن فهم الاتصال بعيداً عن هذه الأبعاد، كما أن التحدي كامن في تمييز الفروق بين العوالم الثلاثة، خصوصاً عندما ندرك أن وسائل الإعلام باتت تخضع لحتمية مادية تنفي عنها فكرة الاستقلالية الذاتية.
يضع كل ما سبق ذكره، الاتصال الجماهيري في قلب تساؤلات جوهرية، تطالبنا بإعادة النظر في كثير من النظريات، التي اقتربت من تفسير المتغيرات الاتصالية والإعلامية، حتى إن نظرية مثل النظرية النقدية، التي طورها تيودور أدورنو تبدو تياراً ساذجاً في وقتنا الحالي؛ إذ إنها تركز على مستوى الفكر لا الغرائز أيضاً؛ إذ إن الاتصال ليس معطى طبيعياً، ولا مداً من البيانات؛ بل هو رابط دائم للمعنى والسلطة يتجسّد في المحتوى، وشكل الوسيط الاتصالي كما يقول الكاتب.
العودة إلى سيمياء رولان بارت وإمبرتو إيكو هي التي ستعيننا على التفكير بوسائل الإعلام بطريقة الكشف عن الأدوات المعرفية، التي تتم بواسطتها الموازنة بين أطراف العملية الاتصالية؛ إذ لا يمكن لنا أن نقترح آليات للفهم والتحليل دون النظر إلى علاقة المُرسل والمُتلقي بالمضامين المطروحة أو رؤية سياسية لتلك العلاقات، فنحن بأمس الحاجة إلى مثقفين يجيدون فهم العالم، وتفكيك هيمنة البرجوازية الجديدة للصناعة الإعلامية، دون أن ننسى المتلقي الذي يجب التعامل معه كفاعل يتمتع بالكفاءة للتأويل ومقاومة المد الإعلامي الثقافي، وكطرف مهم في عملية خلق ثقافة جماهيرية، يمكن أن تساهم في حوار أصيل داخل مجتمعه.
التفكير بطريقة بارت وإيكو
22 مارس 2019 03:28 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 مارس 03:28 2019
شارك
صفية الشحي