أي صبر يستطيع أن يستوعب الغياب؟ أي مصيبة تصيب القلب فتذيبه؟ أي حزن يجرح الروح فيصدعها، فيعلو نشيج الفؤاد وتتهادى دمعة الوداع المر مضطربة حيرى غير مصدقة رغم يقينها بإرادة الله الواحد القهار؟ فالفراق يذيب حصاة الصبر، خصوصاً إذا كان الذي يفارقك جزءاً منك ومن تاريخك ووجودك وحياتك اليومية، فتكتشف أي وحشة أنت فيها وأي تشطر تعيش. انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة الماضي أخي وابن خالتي عبدالله محمد أحمد الصيري، رجل البهجة والفرح، رجل البساطة والبسمة الدائمة والبشاشة، الرجل الذي لم أسمعه يوماً يتحدث عن أي أحدٍ أبداً بسوء كائناً من كان.
كان يدخل بيوت الأهل والأقارب فلا يكون إلا طاقة باعثةً للبسمة التي لا تفارق محياه، يكون مصدراً للفرح في أي مكان يتواجد فيه، تسكنه البساطة فيحيلها إلى حكايا من فرح لا تدخل إلا المسرة على نفوس من حوله، يحب كل من حوله خصوصاً الأطفال الذين لا ينادي باسم أحدٍ منهم إلا مسبوقاً بكلمة «الحبيب» حتى سماه الأطفال «الحبيب» حباً وتعلقاً به وبقفشاته ومداعباته الحنونة، ولا ندخل بيته إلا ونجده أخضر القلب كالحديقة الغنّاء التي تنشر شذا الغبطة في القلوب.
الغياب يجرح الصورة ويصم الأذن ويجرد الصوت من فرادة البوح، يجعلك تتساقط أمام نفسك، فالغائب ينتمي إلى شجرتك وحضورك وكينونتك، جزء من لحمك ودمك وكيانك، يجعلك فقيراً، فالعِرق الذي انسل من بين عروقك كان ينبض في وجدانك ويغذي وجودك وسيرة مكانك.
رحل سيد البساطة والبشاشة والفرح، رحل «الحبيب» إلى جوار ربه، رحل عِِرقٌ من عُروقِ القلب وترك أفئدتنا تلهج لله بالدعاء له بالرحمة والمغفرة وواسع الجنان، مقرةً، مؤمنةً، موقنة بأن لله ما أعطى ولله ما أخذ، وأن هذه سنة الله في خلقه وأننا كلنا على هذا الدرب سائرون.
ونتأسى برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فلا نقول إلا: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا يا عبدالله على فراقك لمحزونون.
إبراهيم الهاشمي