عبدالله الهدية الشحي
جاء عن الديك أنه غالباً ما يصيح في الفجر، ويبدأ بالصياح قبل أن يكمل أربعة أشهر من العمر، وأن بعض الديكة تصيح بضع مرات في اليوم، وأخرى تصيح باستمرار، وقيل في المثل الشعبي «الديك الفصيح في البيضة يصيح»، ويقول أبومنصور الثعالبي «يضرب المثل ببيضة الديك في الشيء يكون مرة واحدة لا ثانية لها، والذي يعطى عطية لا يعود لمثلها، وذلك أن الديك يبيض في عمره مرة واحدة لا يكون لها أخت»، وقال في ذات السياق بشار بن برد «قد زُرتِنا مرةً في الدهر واحدة ثَنِّي ولا تجعليها بيضة الديك».
التصق الديك بثقافات الشعوب، سواء عن طريق صراع الديكة أو كشعار أو رمز ديني، فقد اعتبرته الكنيسة الكاثوليكية، في العصور الوسطى، رمزاً دينياً يتعلق بعودة المسيح، وعلامة على بزوغ الفجر بعد الظلام، وفي الثقافة الرياضية الفرنسية، يستخدم الديك تعويذة للنصر، ورمزاً لجلب الحظ وللمقاومة والعناد، ورفض الاستسلام، كما تم استخدام الديك الفرنسي الجديد رمزاً لمنتخب كرة القدم، حيث يرمز الديك الذي يرفع قدمه، كدليل على الاستعداد للنزال.
لسنا هنا في محل خلاف أو جدال بيزنطي، كي نثبت عدد مرات صياح الديك في اليوم، وهل يبيض الديك مرة في العمر أو لا يبيض البتة، إنما أردنا أبعاد الفكر والتأويل، وسبر غور بعض الثقافات الممتدة امتداد التاريخ، وعمق الإيمان بها، ومدى تأثيرها واستمراراها الزمني، سواء بمعناها المجمل أو بتباين التأويل، واختلاف الإسقاطات واختلاف طرق التواصل والتأثير بما يهم المخاطب، فها هو بشار بن برد مرة أخرى يعود إلى الديك بأبياته التي امتدح بها الجارية رباب، حين قال «ربابة ربة ُ البيتِ/ تصب الخل في الزيتِ/ لها عشر دجاجاتٍ/ وديك حسن الصوت»، وقد يقول القائل أيعقل أن يقول هذا بشار، وهو القائل «كأن مثار النقع فوق رؤوسنا/ وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه»، نعم يعقل لأن بشار كان أعمى نظر، لكنه لم يكن أعمى بصيرة، حين امتدح رباب بهذه الأبيات، فهي جارية لا تهتم إلّا بما حولها من دجاج، وما يهمها من اهتمامات منزلية، ولم يكن بشار مخطئاً حينما قال «لو ذهبتم لرباب وسألتموها أي الأبيات لديها أجمل: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل، أم: ربابة ربة البيت، فإنها لن تقول إلّا ربابة ربة البيت.
ونحن في ذكر الديك لابد أن نعرج حول تلك الحكاية التي تقول: كان هناك رجل فاقد نعمة البصر، فأعاد الله إليه بصره لمدة دقيقة من الزمن، ولم ير حينها أمامه سوى ديك نافش الريش، ومشرئب العرف، وبعد أن فقد الرجل بصره ثانية زاره أصدقاؤه، وأخذوا يتناوبون في حديثهم عن المخترعات الحديثة، فأخذ يقاطعهم في كل مرة مستفسراً، فحين قالوا إن هناك بارجة سترسو قريباً، سألهم: هل هي أكبر من عرف الديك، وحين تكلموا عن القطار قال هل القطار أطول من رجل الديك؟ وحين تحاوروا عن ألوان الطيف سألهم هل هي كألوان ريش الديك؟ فيا ترى كم من مبصر بيننا، ولكنه لا يرى سوى ما يؤمن به، ويقارن كل شيء بماضيه الذي تجاوزه الزمن؟
متى ولمن يصيح الديك؟!
11 يناير 2017 03:26 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 يناير 03:26 2017
شارك