صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالله الهدية الشحي
إعلامي
أحدث مقالات عبدالله الهدية الشحي
6 نوفمبر 2024
اللسان الخالد

الحمد لله على نعمة لساننا العربي المبين والشكر له الذي خصنا بهذه اللغة المتفردة بالخلود دون غيرها، فكم من لغة على وجه البسيطة قد تحولت وتبدلت أو تغيرت من حالٍ إلى حال، فالإنجليزية التي عاشت قبل شكسبير لا يكاد يفهمها أحد في زمنه، والتي عاشت في زمنه بكل أصوات حروفها ومفرداتها غير الموجودة حالياً، والفرنسية التي كانت لسان أهلها في القرن الرابع عشر لا وجود لأصلها وتأصيلها في وقتنا الحالي، بينما لا نزال نحن نقرأ ونفهم وندرك أشعار امرئ القيس والنابغة الذبياني بكل سهولة ويسر، بل لا نزال نروي تراثنا العريق ونتجاذب أطراف الحديث الأنيق بالبريق ذاته ونستشهد بكل ما كان يدور من خطب وأمثال في أسواق ما قبل الإسلام من غير أي صعوبة تذكر، وكأننا نعيش أدب زمان أسلافنا الأقدمين بكل أبجديات لغتهم وبكل مضامين تلك اللغة بياناً وتبياناً معنى ومبنى.
الحمد لله الذي حبانا بلغة الفرقان العظيم وجعلنا أمة القرآن الكريم الذي أنزل بلسان عربي مبين، و جعلنا جيلاً بعد جيل نحب حتى النخاع ونود إلى ما بعد الفناء لغتنا العربية التي ندرك عظمة قيمتها الدينية ونقدر علو قامتها البلاغية ودورها المجتمعي في توطيد الاعتصام بحبل الله المتين، ونعلم علم اليقين بأهمية حراكها الذي يغرس القيم النبيلة وينشر الذوق العذب والإحساس الراقي في جزالة التعبير ويشجع على امتلاك نواصي العلم المفيد، قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تعلموا العربية فإنها تثبت العقل، وتزيد المروءة»، وقال الإمام الشافعي: «على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغ جهده في أداء فرضه»، ويقول الإمام الشاطبي: «إن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم».
يقول أبو حيان التوحيدي: «البيان عن البيان صعب» فمن يمتلك بلاغة الحديث، وتوظيف فنون القول، ويعرف علاقة اللغة بالدماغ، يسهل عليه أمر التأثر والتأثير لما للغة من دور مهم في تغير فهمنا للعالم، ولما لها من تأثير في سلوك المتكلمين والمتلقين، ويقال: إن اللغة الراقية تدل على رقي أمتها، وبما أننا ننطق العربية، أجمل لغات الكون والأوفر حظاً بعدد مفرداتها إذا قورنت باللغات العالمية الأخرى، والأكثر تأثيراً بجرسها الموسيقي المتشح بالقوافي والسجع وبالمحسنات البديعية وبما لا يتسع حصره هنا، ناهيك عن طول مخارج عدد أصواتها وحروفها وحركات ضبطها الرئيسية الثلاث الفتحة والضمة والكسرة، فهي المتفردة بطبقات الصوت التي تخرج من أطول مدرج صوتي عرفته اللغات الذي يبلغ طوله ما يقارب الستة والأربعين سنتيمتراً بينما يبلغ طول مسار صوت اللغتين الإنجليزية والفرنسية ما لا يتعدى خمسة سنتيمترات، وبالتالي يقودنا هذا إلى كشف أحد أسرار اهتمام الجامعات العالمية باللغة العربية وشدة الإقبال على تعلمها وتعليمها لما لها من صفات وسمات تجعلها الأكثر جذباً، وإثارة وتشويقاً ولما لها من مقدرة على تحدى الزمان بأبعاده وظروفه وصروفه المختلفة.
الحمد لله أننا نعيش في عصر صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لنرى بأم عيون قلوبنا الإنجازات العظيمة التي لا تعد ولا تحصى وننتشي فرحاً بهذا المشروع اللغوي الذي سخّر له سموه الغالي والنفيس من الوقت والمال في سبيل خدمة لغتنا في كل المجالات وأعني هنا المعجم التاريخي الذي يتضمن ذاكرة كل لفظ من ألفاظ اللغة العربية، ويسجل حسب تاريخ ظهوره بدلالته الأولى وتاريخ تحولاته الدلالية والصرفية ومكان ظهوره، مع توثيق تلك الذاكرة بالنصوص التي تشهد على صحة المعلومات الواردة، وقد أعلن سموه في 30 سبتمبر من العام الحالي عن انتهاء طباعة الـ127 مجلداً للمعجم التاريخي للغة العربية، وإطلاق الموسوعة العربية الشاملة التي تضم كما أشار سموه كل المصطلحات العربية في العلوم والآداب والفنون والأعلام.
الحمد لله رب العالمين على نعمة لغتنا العربية وعلى نعمة سلطان العلم والفكر المعلم والقدوة والحاكم المحب والوفي للغتنا العربية، الذي لم يترك شاردة أو واردة في سبيل خدمتها إلا وكان سموه يدعمها بكل السبل، فهو الحريص أشد الحرص على الحفاظ على لغتنا وعلى وجودها في كل المحافل والمعامل ومراكز البحوث، فالشكر لسموه على إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية وقبل هذا على مجمع اللغة العربية في الشارقة وعلى اهتمامه بوجود اللغة العربية ورقياً وإلكترونياً، وبكل ما يعمل على تأصيلها ونشرها عبر معرض الكتب و الفضاء الإلكتروني ونقلها إلى الأمم الأخرى.

3 يوليو 2019
حين يفقد المبدع حقه
عبدالله الهدية الشحي

طرحت إحدى الجهات في استمارة طلب الالتحاق بوظيفة شاغرة لديها، السؤال التالي: لو كنت تقود سيارتك في ليلة عاصفة، وفي طريقك مررت بموقف للحافلات، ورأيت ثلاثة أشخاص ينتظرون الحافلة، وهم: امرأة عجوز توشك على الموت، وصديق قديم سبق أن أنقذ حياتك، وشخصية مشهورة تعتبرها قدوة لك، وكان في سيارتك متسع لراكب واحد فقط، فأيهم ستنقله معك؟ هل السيدة العجوز لأنها توشك على الموت، وواجبك الإنساني وأولوية إنقاذها يحتمان عليك ذلك، أم صديقك القديم الذي سبق أن أنقذ حياتك، وقد أتاك الموقف المناسب لترد إليه الجميل، أم الشخص المشهور الذي اتخذته قدوة، وتمنيت كثيراً لقاءه، وقد جاءت به الفرصة إليك على طبق من الحظ السعيد؟ وبعد فرز الإجابات اختارت الشركة مرشحاً واحداً من بين مئتي شخص تقدموا للحصول على الوظيفة، لإجابته المتميزة والمميزة حيث أجاب، ببساطة: سأعطي مفتاح السيارة لصديقي القديم وأطلب منه توصيل السيدة العجوز إلى المستشفى، فيما سأبقى أنا مع قدوتي لانتظار الحافلة.
حين يتم وضع العقل المبدع في المكان المناسب، وفي حضن البيئة الداعمة والمحفزة، تستمر التنمية الشاملة للمؤسسات وتتطور بيئة العمل، ويتحقق الأمن الوظيفي، ويزيد العطاء، وتتطور جودة المنتج، يحدث هذا بكل يقين وتأكيد في ظل وجود القيادة الواعية التي تقدّر الجوانب الإنسانية، وتقوم بدورها التعزيزي بشقيه المادي، والمعنوي، وتعمل بعين البصيرة على معرفة واكتشاف القدرات، فتوظفها، وتعمل على تنميتها معرفياً، ومهنياً، أما إن كان رأس الهرم الوظيفي لا يمتلك أبجديات ما سبق فعلى المؤسسة السلام، وعلى العقول الدعاء بالرحمة، وعلى أصحابها حق الشفقة لما يعانون، فلا عزاء على بيئة العمل حتى إن كانت مكتظة بالمبدعين، إذا كانت إدارتها تعمه في وادي التسلط، وعدم مراعاة الجوانب الإنسانية، وتعيش في بهرج القول غير المحفز، وفي عالم العدم بالنسبة للتعزيز، وفي تسويف الوعود المختومة أصلاً بعبارة إن شاء الله، تعليقاً لا تحقيقاً.
ونحن على مقربة من حلول موعد تحقيق رؤية دولتنا 2021، تسكننا حالة من الصدمة تجاه بعض الإدارات التي تنحر العقول المبدعة من الوريد حتى الوريد، ومن الظاهر حتى نخاع النخاع، من دون مبالاة، أو شيء من المداراة، فكم من موظف أُكل وهُضم حقه، وضاع مستقبله لكونه مبدعاً فقط، وكم من موظفة مبدعة حرمت من الترقية، أو نيل حقها في التقرير السنوي، وبالتالي حرمانها من محاولة الاشتراك في الجوائز التي من معاييرها الامتياز في التقارير السنوية، لا لسبب سوى كونها قد أخذت إجازة وضع وهي حق تعطيه لها كل الشرائع، وكل النظم وقوانين العمل.
ونحن على أبواب يوبيل دولتنا الذهبي، علينا أن نعيد النظر في آلية اختيار قادة مؤسساتنا، وأن نحدد معايير نجاحها برضا موظفيها، فمن غير المعقول أبداً أن نجد، في عصر التواصل الحديث، مسؤولاً لا يقرأ الشكوى، أو الطلب، أو المقترح المرسل إليه من قبل موظف، وأن يتجاهل كل أساليب الخطاب الرسمي، فلا يكلف نفسه بكلمة اعتذار عن الطلب يشعر من خلالها الموظف بأنه ذو قيمة، وله أولوية الاحترام، بل إن المحزن حقاً عدم الاهتمام المقصود بمراسلات الموظفين.

[email protected]

19 يونيو 2019
واقع من لا يملك أدوات العطاء
عبدالله الهدية الشحي

يُحكى أن ذبابة وقفت فوق قرن ثور حراثة وحين عادت إلى سكنها سألتها ذبابة أخرى، قائلة: أين كنتِ؟ فأجابت كنت أحرث مع الثور، وأقدم المشورة لصاحب المزرعة، وقد تأخرت تطوعاً؛ من أجل إنجاز العمل، ويُحكى أيضاً أن ذبابة أخرى وقفت على قرن ثور آخر؛ تقديراً لذاتها، ولحاجة في نفسها، وحين قررت الطيران تقدمت إلى الثور لتقدم له الشكر، فقال لها: لماذا الشكر، وأنا أصلاً لم أشعر بوجودك !. لا شك أن في مضمون الحكايتين وقفات عدة، واستنباطات كثيرة، خاصة إذا تم الربط بينهما، وواقع الحال الذي يعيشه أدعياء العطاء، الذين لا نراهم إلا في سويعات التتويج، ولا نسمع أصواتهم وآراءهم إلا في حال زيارات القيادات العليا لهذه المؤسسة أو تلك، أو من خلال التباهي بالمنجز الذي ليس لهم فيه أي ناقة أو جمل بين الأصحاب والزوار.
وفي مواقع التواصل الاجتماعي، يحدث هذا فعلاً وتماماً كحال الذبابة الأولى، ويحدث أيضاً في الاتجاه المقابل؛ ولكن بصورة أخرى كحال الذبابة الثانية حين يطمح هذا الموظف الصغير بحجم خبرته وضحالة فكره وانعدام إبداعه، فيعطي لنفسه من حيث لا يدري، بعد أن تسيطر عليه أحلام اليقظة، وحديث النفس، وأضغاث الأحلام، المكانة التي لا يراه الناس فيها، ولا يشعر المنصب أصلاً بوجوده وأثره، وإن طالت مدة جلوسه على كرسي عرشه، فيسعى ليزاحم أصحاب الإمكانات والحق والجدارة تحت مبدأ المساواة والعدل، وهو يجهل معناهما والفرق بينهما، والغريب في الأمر أن هذا المدعي قد يجد نفسه فعلاً لسبب ما أو لأسباب خارج الحسبان والمنطق والعرف والقانون والمألوف والمعروف، وربما لهذا الظرف أو ذاك على هرم المؤسسة التي كان يحلم بالتسلق على أصابع رجليها، فكيف به وهو على تاجها! ولكن قبل هذا ترى ألم يخطر بباله حال واقعه في اليوم الذي سيودعها وتودعه فيه إن كانت ستشعر بفراقه وهي التي لم تشعر بوجوده ؟.
الطموح دائماً محفز لاجتياز الصعاب وبلوغ المرام تلو المرام، والنجاح بعد النجاح دون توقف، ولكن إن لم تكن مع الطموح، الأدوات والإمكانات التي تعين على تحقيقه واستمراره فلا فائدة أبداً من وجوده كشعار تلعب به أحلام اليقظة والمصادفة، وما يُسمى بالفن الممكن حين يخرج عن سياقه الحقيقي إلى دروب الزيف وخداع ذات المدعي، قبل خداع الآخرين الذين أصبحوا بفضل العلم وانتشار المعرفة أصحاب خبرة في معرفة أنماط الشخصيات، وقراءة لغة الجسد، ومعرفة الفوارق بين صاحب الإبداع والشخصية القيادية ومدعي النجاح والعطاء، الذي يجهل نفسه ويفشل حتى في قيادة ذاته.

[email protected]

12 يونيو 2019
لا بد من وقفة تمحيص
عبدالله الهدية الشحي

رحم الله زمن من كان يردد المثل الشعبي: «من كثر هدره قل قدره»، وغفر الله ذنب من قال: «ما يغثك من الدبش إلا أرداها»، وأثاب الله كل من يعيش في زمننا هذا الذي أصبح فيه كل من يملك جهازاً أو وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي مرشداً اجتماعياً، أو مفتياً أو مدرباً في مجال تطوير الذات وناشطاً اجتماعياً في آن واحد، أو اختصاصي تغذية وخبير تنمية مستدامة، وكل شيء من كل الأشياء وغير الأشياء في ذات الوقت، وأعان المولى، سبحانه وتعالى، من يمتلك القدرات، وأصحاب التخصص، وأهل الرواية والدراية، والتأصيل والتبصير، والتفكير والتدبير، والعلم والفهم، على سيول الغث التي تكاد تقتلعهم من جذورهم، لولا ثلة من الأولين الذين آمنوا بقدراتهم ومكانتهم المجتمعية، وقليل من الآخرين الذين لا تشبه ذاكرتهم ذاكرة السمكة، ولا يتبعون فكر القطيع، ولم تسكنهم ثقافة مراهقة الانتشار في كل اتجاه ومسار.
في زمن شمولية بعض المشاهير الذين لا يملكون مقومات الشمولية، وفي زمن المؤثرين الموسوعيين كما يشاع عنهم، وكما هو حالهم بين مريديهم، فهم في عيون من استخفوا بهم وأطاعوهم المتميزون الذين يجوبون حقول المعارف وبحار التوعية، ويتصدرون المجالس، وهم أهل المقامات المرموقة في المنابر، وهم وحدهم الذين يتبوؤون مكانة ومقاعد هامات المحابر، بينما هم في الحقيقة الصادمة لا يملكون فك رموز أبجديات الفكر والثقافة، ولا يعون أثر ما يفعلونه في المجتمع من ظواهر سلبية قد تبدو ملامح سلبياتها واضحة حتى قبل بزوغ غيومها القاتمة، وأثناء تهافت المؤسسات المجتمعية الرسمية وغير الرسمية على تقديرهم وتمليكهم المنصات والمهمات، وإغداق الأموال عليهم مقابل الترويج والتهييج، وخلق الضجيج، يحدث كل هذا في ظل غياب الرقابة الذاتية والرقابة التخصصية في علم الاجتماع، لذا يجب علينا وبشكل سريع تأطير هذا الوضع، بإنشاء جهة رقابية تتابع كل ما ينشره هؤلاء ومن على شاكلتهم، ليس بغية المصادرة أو الإلغاء أو حباً في السيطرة، وإنما حفاظاً على أثر القدوات في التنشئة، وتعزيزاً لأثر التغيير الإيجابي في الوعي العام، فمن لا يملك الشيء لا يستطيع أن يعطيه.
لا نشكك بمقدرة بعض مشاهير التواصل، ولا نقلل من شأنهم ووضوح رؤيتهم ومساعي رسالتهم، ولكن حين يطفو غثاء سيل المدعين، ويطغى زبد الرتابة والتقليد، وتجتاح ريح الغث بساتين واقع ومأمول من يملك القدرة على التطوير الحقيقي وعلى تقديم الجديد المفيد الذي يؤصل الحرف التليد ويجدد الحاضر الجديد ويرى زهو المستقبل الفريد، علينا ألا نفتح أبواب مدارسنا ومؤسساتنا المجتمعية لكل مشهور لا يسمن ولا يغني من جوع، ليصبح قدوة لطلابنا عبر محاضراته ولقاءاته، وعلينا أيضاً ألا نحتفي إلا بمن يستحق الاحتفاء، فلا بد من وقفة تمحيص وتصحيح بالنسبة لنظرتنا ورأينا بمشاهير عصر التواصل ومضمون محتوى رسالتهم.

[email protected]

29 مايو 2019
حين تبوح الجرأة بما لا يباح
عبدالله الهدية الشحي

كان الحجاج بن يوسف الثقفي من أخلص قادة الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان، وكان الأقرب إليه ولاءً وطاعة، بل وكان صاحب الفضل الأكبر في تثبيت أركان البيعة له، ولكنه حين تجاوز حدوده مرة قال له عبد الملك: «إن في بعض الولاء نفاقاً، وفي بعض الجرأة وقاحة، ولا يشفع ولاؤك لوقاحتك»، فليت هذه المقولة تصل إلى أسماع من وظفوا وأنابوا أنفسهم بأنفسهم فأصبحوا يتحدثون ويصرحون وكأنهم لسان حال مسؤوليهم، حتى أوهموا الجميع من كثرة تكرار أقوالهم وادعائهم المستمر بأنهم هم أهل الحل والعقد والمشورة والرأي عند هذا المسؤول أو ذاك، وليت الأمر توقف عند هذه الجرأة ولم يصل إلى حد الوصاية على ما تكنه قلوب الناس، وإلى الكفر بكل وسائل الحوار الهادف.
يقال بأن من قوانين عزة النفس ألّا تكرم من أهانك، وألّا تحنو على من قسا عليك في حال ضعفك، وألّا تحن إلى من تخلى عنك وقت الحاجة إليه، وألّا تلجأ لمن أضل طريقك عمداً، وألّا تشتاق إلى من استغنى عنك حين وجد من يغنيه عنك، وسامح ولكن لا تنسَ؛ حتى لا تلدغ من ذات الجحر مرتين، وميز بين من يحبك لأنه يحتاجك، وبين من يحتاجك لأنه يحبك، وتقبل الآخر وتعايش مع أخيك الإنسان تحت مظلة الإنسانية وبمبدأ لكم دينكم ولي دين، واعلم بأنك غير ملزم بالإيمان بصحة عقيدته أو فكره، ولكن الواجب عليك منافسته فيما ينفع البشرية.
يقال بأنه في حال غياب الوعي العام يتحول ثلث المجتمع إلى قضاة، والثلث الثاني إلى متهمين، والثلث الأخير إلى محامين، والمضحك هنا أن كل هذا يحدث من دون وجود قضية ذات شأن، وقد لا توجد أي قضية تذكر أصلاً، والمتتبع للواقع من خلال مواقع التواصل المجتمعي أو من خلال الجدل الدائر فيها وفي كثير من المنتديات واللقاءات المباشرة يسمع ما يشيب منه الولدان حين يتحول الجدل، ولا أقول الحوار، من أيقونة الفكرة إلى فضاء الشخصنة، ليكيل بعد هذه المرحلة كل طرف للآخر وابلاً مما لا يليق أن يسمع أو يذكر من النعوت، وغيرها مع الإيحاء بالمحسوبية على هذه الجهة أو تلك، بينما الواقع يقول ما قاله الخليفة عبدالملك بن مروان للحجاج لا يشفع ولاؤك لوقاحتك.
يقول المثل الشعبي، الكلمة الطيبة تخرج الحية من جحرها، واختيار الألفاظ الرائعة أجمل وأوسع طريق لدخول القلوب من دون استئذان، فقد رأى الخليفة عمر بن الخطاب مجموعة من الناس، وقد أوقدوا ناراً، فاقترب منهم، ونادى «يا أهل الضوء»، ولم يقل: «يا أهل النار»؛ خشية أن تحرجهم الكلمة، وحين سأل أحد الأشخاص الإمام الغزالي عن حكم تارك الصلاة أجابه قائلاً: حكمه أن تأخذه معك إلى المسجد، وأخيراً سأذكر هذه الحكاية للعبرة ليس إلا: قامت شركة «مرسيدس» الألمانية بتهنئة نظيرتها شركة «بي إم دبليو» بمناسبة مرور مئة عام على تأسيسها، وجاءت التهنئة بداعي ومشاعر المنافسة، فقد أرادت أن توصل إليها رسالة مضمونها أن المرسيدس أعرق بثلاثين عاماً، وكانت التهنئة كالتالي: (شكراً لكم على مئة عام من المنافسة، ولقد كانت الثلاثون عاماً السابقة فعلاً مملة)، فقامت شركة «بي إم دبليو» بردها الذي لم يكن أقل إبداعاً من تهنئة منافستها؛ حيث عرضت صورة لشاحنة «مرسيدس» محملة بسيارات «بي إم دبليو»، وقد كتب على الصورة: «شكراً مرسيدس لنقل السعادة إلى الناس».

[email protected]

22 مايو 2019
حتى لا يذهب الجهد سدى
عبدالله الهدية الشحي

يقول المثل الإنجليزي: «القليل من المعرفة شيء خطر»، فالإنسان إذا حصل على قليل من المعرفة، ربما يصبح مخدوع نفسه وخادعها، فيضعها في مكان لا تستحقه، وتصور له هي بلوغ المرام وتزين له بزخرف الأماني المكانة التي يتمناها فيرتدي بأحلام يقظته جلباب الإبداع ويلبس عمامة المتحدث والبارع بما لم يأت به السابقون وما لن يأتي به اللاحقون وليته يقف عند هذا ولا يقوم بتضليل الناس وجعلهم يعتقدون أنه الخبير والعالم والبصير بالأمور، فيؤدي به هذا الأمر لارتكاب الأخطاء الجسيمة. يحدث هذا في الوقت الذي يردد داخله المثل الشعبي الذي يقول: «كذب مرتب ولا صدق مخربط»، فكيف إذا كان الصدق والكذب في نظر المتلقين «مخربطين» معاً.
يُحكى أنه في قديم الزمان، كانت جماعة من البدو الرحل، مسافرة في أحد الوديان، وحين شعر أفرادها بالتعب، قرروا نصب خيمتهم، وبينما هم يتسامرون ويشربون القهوة شاهدوا بعض الرمال والحجارة الصغيرة تتساقط من الجبل، فشعروا بالخوف الشديد وظنوا أن زلزالًا سيحدث أو بركاناً سينفجر، وحين نهضوا والذعر يسكنهم لمراقبة الجبل واستطلاع الأمر، خرج فأر من أحد الجحور أمام أعينهم مسرعاً فضحك الجميع وقال أحدهم: «تمخض الجبل فولد فأراً»، فما أكثر الفئران التي تلدها الجلسات الحوارية الكبيرة، والمنتديات وورش العمل التي قيل عن شأنها قبل حدوثها ما قيل من الإطراء، في كل الشهور خاصة في المجالس الرمضانية.
رائعة تلك الصورة التي يقف فيها الحمار أمام المرآة، فيتخيل نفسه حصاناً، ثم بلمح البصر يرى أنه قد أصبح حقاً براقاً بأجنحته المذهلة وبكامل هيئته المدهشة، فيعرج في فضاء الشهرة، ويخترق النجوم، ويتخطى الكواكب، لتزداد نفسه كيل فيل من تضخم الأنا الكاذبة التي لا تمت للحقيقة بقيد أنملة، وكم هي مفيدة تلك الحكاية التي تروى عن خروج ضفدعتين أختين للنزهة، فأرادت إحداهما أن تصبح فيلاً، فما كان منها لتصل إلى حلمها إلا شرب الماء، فشربت مراراً وتكراراً، حتى بلغ انتفاخ بطنها حداً لا يمكن بعده استيعاب قطرة أخرى بينما لم يبلغ حجمها قيد أذن الفيل، لكنها كانت تصر على بلوغ المستحيل الذي لا تملك مقوماته فشربت الرشفة الأخيرة لتنفجر بعد ذلك وتنهي حياتها بنفسها دون أن تحقق شيئاً من حلمها غير المبرر، فمن لا يملك الأدوات ليس عليه الزج بنفسه في مواقف لا تحمد عقباها.
لا شك بأن كثيراً من مجالس العلم والفكر والثقافة، وبرامج التنمية المستدامة، وحراك التوعية الشاملة بشكل عام، التي تقوم بتنفيذها الوزارات والهيئات والمؤسسات تؤتي أكلها حسب الرؤى والأهداف المحددة ولكن يا حبذا من أجل أن لا يذهب الجهد سدى، لو يتم اختيار المحاضرين والمتحدثين حسب الاختصاص بحيث لا يطرح الموضوع المستهدف من قبل غير المختصين ممن لا يملكون المعلومات ومن يفتقدون التجديد والتطوير وواقعية الطرح مع العناية بأساليب التشويق شرط أن لا يراهن المحاضر بحبه للوطن على حساب الحضور بنغمته وعباراته المكررة فالكل يحب الوطن حتى النخاع والكل يفخر حين يعزز لديه هذا الجانب من مبدأ «حدثني عنك أسمعك وقد أستمع إليك.. حدثني عني أحبك».

[email protected]