صدأ السيوف في أغمادها عرفناه قبل غداة إحراق المسجد الأقصى، تندرت به العجوز الشمطاء غولدا مائير، أما تسوس الأنياب الافتراضية واهتراء المخالب الاعتبارية، فمسيء إلى فنون الهجاء في تراثنا. أيام عز الهجو بلغ إبداع الأخطل، وهو ليس رئيس حزب الشعراء الهجائين، حد الإتيان بأكثر من عشرة ألوان من صور هجائية في بيت واحد، لا أذكره كاملاً: «قومٌ إذا استنبح الأضياف...». كل كلمة فيه قنبلة هجاء. قنبلة مثالب عنقودية. اليوم صار لأدعياء الكتابة والإعلام شبكة عنكبوتية ومواقع تغريد و«فيسبوك» و«واتس آب» وصحف ومجلات وفضائيات، ولكن القدرة والمُكنة والخبرة والمهارة والدراية ترفضهم وتدحضهم.
المهزلة الحقيقية ليست تلك، فما يؤلم ويُسلم لليأس والإحباط، هو عجز الأدمغة الساذجة، عن الربط بين الفتن الهرائية والفتن الدامية. الذين شنوا حرب حصاد النفوس، هم الذين بثوا الفرقة والبغضاء، فتلك هذه، هي هي لا فرق. هؤلاء ليسوا سوى دمى تحركها غايات تدميرية. ليت قومي يعلمون. هذه أكبر خدمة يمكن أن يهدوها إلى المخرجين الدوليين، بها تكتمل الفرحة، ولا تندمل القرحة: «جراحات السنان لها التئامٌ.. ولا يلْتامُ ما جرح اللسانُ». إن كان هذا إعلاماً فبئس الإعلام، وإن كان ثقافة فبئستِ الثقافة. آخر الفخار المتهشم اللغة العربية، فالشتائم سوقية، حرمة النحو والصرف فيها غير مرعية، ضحية. الشعوب في هذه الفتن مجرورة، كرامتها مهدورة، وأعراضها «منشورة»، وهي من أهليها وأعدائها مقهورة. وهؤلاء المنخدعون فرقوهم بما ظاهره امتلاك الحقيقة والدفاع عن المبادئ، فاجتمعوا على التشاتم. كلا الفريقين بل كل الفرقاء عرب يسبون العرب، فهل من نعمة أغلى وأثمن من هذه يتوجون بها المخططات الجهنمية، ويثلجون بها صدور المخططين بالبرهنة على سطحيتنا ونجاح مؤامراتهم؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الهجائية: عليهم الاستراحة قليلاً لتعلم حروف الهجاء، ليعرفوا كيف يُكتب الهجاء.
عبد اللطيف الزبيدي
[email protected]