الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حضور جيوسياسي عجيب للتراث

11 مايو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 11 مايو 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل تستطيع أن تنتقي من كل المكتبة العربية، في جميع عصورها، كتاباً واحداً يصوّر أوضاع العالم العربي اليوم، لكن، بإبداع فني؟
للمساعدة، لا تشغل البال بما بعد القرن الخامس الهجري، ولتسهيل المهمّة، إن المؤلف يرى الدنيا ببصيرته. إذا أردت شيئاً من التشويش الذهني، فإن الثقافة التراثية ستكون بخير وعافية، إذا بلغ عدد قرّاء هذه الرائعة ألفين من أربعمئة مليون عربي اليوم. هؤلاء مدينون للدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطئ»، فلولا تحقيقها المعزّز بالشروح المعجمية الشافية، لم يكن بمقدور أغزر اللغويين إلماماً بغريب العربية خوض غمار هذه الجوهرة.
هذا الثناء على «رسالة الصاهل والشاحج» هو في ذاته اتهام صريح لأبي العلاء، لولا أنه لا سبيل إلى الحكم بالسجن على من هو قبل الاعتقال والتحقيق وصدور الحكم، سجين المحبسين. أهل زماننا جعلوا «المحبس» خاتماً. بقي أن المعريّ لا يقوى على دحض التهمة، ورفض الحكم، ولو مع وقف التنفيذ.
كيف فعلها شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء؟ في خمسة عشر قرناً من الإبداع الأدبي العربي، لا يمكن العثور على أثرين، «رسالة الصاهل والشاحج»، و«رسالة الغفران»، في تعدّد النبوغ: التعجيز اللغوي، قمّة الأدب الساخر في أرفع تجلياته، الموسوعية المحيطية، النقد اللامع الألمعي، ووثبات الفطنة المباغتة. ابن معرّة النعمان كان على أجيال العرب ضنيناً بهذه اللذائذ، غلّفها بالفولاذ، ولم يدع لقارئ من ملاذ. الخوف على الشبيبة العربية اليوم. بأيّ زاد سيدخلون المزاد؟
«رسالة الصاهل والشاحج» حوار بين الحصان الصاهل، والبغل الشاحج. مسرح في موضوع رهيب من الجغرافيا السياسية. أين «والت ديزني» العربي؟ في المشهد تصوير مدوّخ لهلع الناس وفزعهم، وانتظارهم القاتل لهجوم الروم على حلب المحتمل في كل لحظة. كاميرا في بث مباشر لأحداث عالم لم يعد فيه قانون دولي ولا أمان لمن يريد التنمية والنمو والنماء. هل قصد المعري بتجريد الإنسان من القدرة على البيان، صمت العرب أمام كل ما يجري في ديارهم من مروّعات جعلت حتى الصاهل والشاحج ينطقان بلغة تفوق في فصاحتها وبلاغتها وفكرها وذكائها، كل ما يمكن أن يجري على الألسنة؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الذهولية: غياب الكلام لم يعد هو المشكلة، فقد جاوز غياب الوعي المدى. المعضلة باتت في الشعوب، لا الأنظمة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة