الشارقة:«الخليج»

ونحن ننسق هندامنا كل صباح حائرين، ماذا نختار من خزائن ملابسنا المكتظة بأنواع مختلفة من التصاميم والعلامات التجارية، هل تساءلنا عن سر اهتداء البشرية إلى ارتداء ما يحمي الأجسام من الطقس والبيئة الخارجية، وهل تصورنا أن نوعية الملابس عكست تاريخياً المكانة الاجتماعية لطبقات الشعوب المختلفة بحسب كل حضارة، وأنها تجاوزت وظيفتها الأولى من حماية الجسد، لتصبح أحد معايير التمييز الطبقي والاجتماعي.
لم يحدد علماء الأنثروبولوجيا زمناً محدداً كست فيه البشرية نفسها بالملابس، لكن الأكيد أن الشكل البدائي لها كان من جلود وفراء الحيوانات، والأعشاب وأوراق النباتات، والتي كانت عادة تعلق على الجسد أو تربط حوله. وعلى الرغم من التقديرات التي تظهر ارتداء البشر الأوائل لثياب من الفرو الخشن منذ 25 ألف عام، إلا إن بعض الأحفوريات المكتشفة حديثاً تشير إلى أن ارتداء الإنسان للملابس أكثر تعقيداً من ذلك خاصة اكتشاف إبر خياطة بسيطة مصنوعة من عظام الحيوانات يرجع تاريخها إلى 30 ألف عام.
اكتشفت مجتمعات العصر الحجري الحديث مزايا حياكة الألياف النباتية مع جلود الحيوانات، وتجلى هذا في صناعة السلال، ما يدل على بروز صناعة الملابس كواحدة من أهم الصناعات الأساسية للبشر وقتها. وارتبط تاريخ ظهور الملابس بنشأة الأنسجة، فكان على الإنسان اختراع الحياكة وغزل النسيج وغيرها من تقنيات صنع الثياب، بجانب الآلات، حتى يحول الألياف إلى ملابس يمكن ارتداؤها.
احتاج الإنسان البدائي إلى تغطية جسده بالثياب بسبب الأجواء قارسة البرودة، لكن البحث عن التدفئة لم يكن السبب الوحيد لابتكار الملابس، بل كانت الحماية من لدغات الحشرات وكل ما يعيق حركته مثل الأشواك. وتعكس الملابس والمنسوجات المستخدمة في العصور المختلفة تطور الحضارات وتقنياتها عبر الزمن، وتعد أحد أهم أدوات علماء الآثار في التعرف بطبيعة الحياة في أي من هذه المجتمعات، وأكثر الأدلة على ذلك هو شيوع استخدام قماش الكتان في مصر القديمة والدلالات التي ارتبطت به.
وعلى الرغم من اكتشاف المصريين القدماء أنواعاً مختلفة من الأقمشة، إلا أنهم فضلوا ارتداء الكتان نظراً لوفرة نباته، ومعتقداتهم التي فضلت ارتداء ملابس مستخرجة من النباتات عن تلك ذات المصدر الحيواني مثل الصوف. وتشير الرسومات على جدران المعابد القديمة احتكار الكهنة لارتداء الجلود، واعتماد الطبقة الحاكمة على نوع فاخر من الكتان، مقابل نوع أقل جودة كان الأكثر انتشاراً بين العامة. كما ارتدى الملوك ملابس ذات تصاميم معقدة وطويلة دلالة على الثراء، بينما كان الفلاحون يظهرون بملابس قصيرة حتى لا تعيق أعمالهم في الحقول والمزارع.
وقبل سنوات عثر الباحثون في كهف «دزودزوانا» في جورجيا على ألياف ملونة من الكتان حيث عاش الإنسان سابقًا، ولعلها استخدمت في حياكة ملابس متعددة الألوان، ويدل ذلك على تعدد أغراض الملابس عند البشر القدماء، فأصبح الملبس غير محدود بمجرد أهداف عملية مثل التدفئة والحماية، بل تخطاها، ليصل إلى الزينة التي جاءت على أشكال مزخرفة، واكتسب تدريجيا قيمة رمزية ومن هنا خدمت الثياب غرضاً آخر غير الذي نشأت لأجله، فأصبحت ذات دلالة مهنية على صاحبها، أو اجتماعية، أو ثقافية.