هشام صافي

هناك قاعدة طبية تؤكد أن التشخيص المبكر للأمراض يساعد على شفائها، والتسريع في الشفاء قبل أن يستفحل المرض، خصوصاً إذا كان من الأمراض المزمنة، التي تستعصي على العلاج لدى كثير من المرضى بسبب استفحالها، وتمكنها من جسد المريض، وضعف قدرته على مقاومتها تدريجياً، إلى أن تتلاشى هذه المقاومة، بما يجعل فرص الشفاء من الداء شبه معدومة.
والتشخيص المبكر لأمراض الأطفال، وبالذات السرطانية منها، يساعد الأطباء على زيادة فرص احتمال الشفاء، بخلاف الكبار الذين تتداخل لديهم الأمراض، وتنخفض درجة مناعة أجسامهم، فيصبحون فريسة سهلة للميكروبات والفيروسات، وما يزيد الأمر خطورة هو الاكتشاف المتأخر للمرض.
مؤتمر الصحة الدولي لطب الأطفال الذي نظمته شركة «صحة» واختتم مؤخراً في أبوظبي، عرض أرقاماً خطرة لعدد إصابات الأطفال بالأورام السرطانية، إذ يبلغ نحو 200 طفل سنوياً، وهو ما ذكره د. فيصل كناني اختصاصي أمراض دم وأورام في مستشفى توام، وقسم نسبة الإصابة إلى 35% لسرطان الدم، ونحو 20% إلى الأورام السرطانية في الغدد اللمفاوية، وأكد أن التشخيص المبكر للأورام السرطانية لدى الأطفال يساعد على رفع نسبة علاجها.
كلام علمي لا غبار عليه، ولكن المشكلة تكمن في كيفية الاكتشاف، فمستوى الوعي متباين بين الأسر وبمسافات شاسعة، فهناك من الأسر من درجت على إجراء فحوص طبية شاملة لأفرادها كل ستة أشهر، وأخرى تعودت أن تقوم بها سنوياً، وفي كل الأحوال فإن هذه الأسر تهتم بنتائج الفحوص وتعمل على معالجة ما يستجد من وعكات صحية، ولا تنتظر حتى يستفحل المرض في الجسم ويتمكن منه، بل تبادر إلى العلاج المبكر وتحصل على الشفاء التام في معظم الحالات تقريباً.
المشكلة تكمن لدى الأسر التي على درجة أقل من الوعي، وأحياناً ذات الدخل المتواضع مقارنة بعدد الأبناء الكبير، وارتفاع متوسط تكاليف الحياة، وزيادة الأولويات المطلوبة من الأسرة، ليصبح مطلب الفحص الطبي الدوري نوعاً من الرفاهية غير الوارد مطلقاً ضمن بنود ميزانيتها، وبالتالي فإن أفرادها سيكونون معرضين بالفعل لمختلف الأمراض، الصغيرة والكبيرة، البسيطة والمستفحلة، وهي بذلك تستحق نوعاً من الاهتمام الإضافي.
الصحة المدرسية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في إجراء الفحوص السنوية للأطفال في مرحلتي الحضانة والابتدائية الدنيا على أقل تقدير، ومنها فحوص الأمراض السرطانية بالطبع، حتى لو كانت تكلفة هذه العملية مرتفعة نسبياً، فالدولة جد حريصة على الأطفال وصحتهم وسلامتهم، وحمايتهم من أي أذى يمكن أن يتعرضوا له وأياديها الخيرة جابت الدنيا طولاً وعرضاً، فكيف من هم بين أحضانها.
والطب الوقائي يجب أن ينشط في حملات التوعية الصحية للأطفال وأسرهم حول مسببات الأمراض الخطرة وطرق الوقاية منها، والسلوك السليم الذي يحفظ الإنسان معافى بدنياً، ومؤسسات القطاع الخاص يجب أن تتحمل نصيباً في الكشف على أطفال عمالها وموظفيها، فالحياة فيها العمل الإنساني مطلوب قبل الربح والخسارة المادية.
وقالوا إن الاستثمار في الإنسان أفضل استثمار، وصدق ما قالوه.