جمال الدويري

الخدمات الذكية، ومنذ أُقرّت منهجاً وأداة عمل، قُصد منها، بلاشك، راحة الناس وتوفير وقتهم وتخفيف جهدهم، وتجنيبهم الازدحام والإجراءات المعقدة. فكانت بذلك وسيلة لتيسير حياة الناس، وليست غاية، بغض النظر عن سيئاتها.
بعض المسؤولين، ومنذ أن أُبرق إليهم بتطبيق الخدمات الذكية، وجدوها فرصة لتخفيف النفقات، فاستغنى بعضهم عن الموظفين، وأعاد «تسكين» بعضهم الآخر في وظائف أخرى للاستفادة منهم، قبل أن يتحقق من كفاءة خدماته الذكية، التي بدأ بتطبيقها، وقدرتها على تلبية احتياجات الجمهور، تحقيقاً للهدف الذي أُنشئت من أجله.
بعض الدوائر «الذكية»، انصرفت إلى تطبيق الخدمات الذكية بشكل متكامل، ولم تنتظر لتعريف المراجعين بالخدمات، ليصبحوا قادرين على التعامل معها بشكل احترافي، من دون تلكؤ أو «خوف»، بل صُوّبت أجهزتها تجاه الجمهور، وغرقت هي في سبات بحجة «الذكاء».
حقيقة، الدائرة التي توفر جهازاً واحداً لجمهور غفير، لينجزوا من خلاله كامل خدماتهم، سواء تسديد الرسوم أو الفواتير، أو حتى إنجاز المعاملات، أصبحت تحتاج إلى مراجعة، لأن هذه الدوائر، من حيث لا تحتسب، حولت صفوف المراجعين، من أمام الموظفين، إلى أمام الجهاز، وغرق موظفوها في اللعب على هواتفهم، والمراسلة عبر «الواتس آب».
عدد الموظفين في خدمة العملاء، في كثير من البنوك، أصبح لا يُذكر، وتجد في كثير من الأحيان عدداً كبيراً من المراجعين، ينتظرون دورهم أمام موظف واحد لإنجاز معاملاتهم، والسبب أن البنك تحول إلى خدمات ذكية، فأصبح زمن الانتظار أمام الموظف، يزيد على ما في السابق.
والأمر الآخر، بالغ الأهمية، أن الكثير من الدوائر التي عمدت إلى تفعيل تطبيقات ذكية عبر الهواتف، لم تقم بمراجعة ما طرحته من خدمات، بل جهّزت خدماتها وأعلنت عنها، ولم تعمد إلى اختبارها من خلال فريق سرّي يتقمص شخصية المراجع، وليس شخصية الخبير الذي أعدّ التطبيق، ويذهب إلى التباهي بحجم الخدمات، وسرعتها ونوعيتها، وهو لا يعرف كيف يتعامل معها العامة من 200 ثقافة وجنسية.
ومن المؤسف أيضاً، أن بعض الخدمات التي تعمد إلى إتمامها بطريقة ذكية، تجد بعض البنود التي تعيدك إلى التعامل مع الدائرة، فيُنجز نصفها ذكياً، والآخر بالطريقة القديمة.
المطلوب أمام هذا التحول «الذكي»، تعامل ذكي من المديرين، فحين أقرّت الحكومة هذا التوجه، كان هدفها خدمة الناس ورعايتهم، وتوفير وقتهم وجهدهم، وليس رفع عبء العمل عن كاهل الموظفين، وصرفهم إلى اللعب، و«طقّ الحنك».
بالمحصلة، الخدمة الذكية أساسها خدمة المراجع، وليس راحة الموظف.

[email protected]