إلى أين يسير لبنان؟

03:36 صباحا
قراءة 3 دقائق
د.خليل حسين

ليست سابقة أن يدخل لبنان في مجموعة من المتاهات التي لا تنتهي تداعياتها. فديونه الخارجية والداخلية تخطت قدرته الفعلية على دفع المتوجبات، في وقت يجري البحث عن كيفية الاستمرار في ظل الإعلان عن التعثر رسمياً، وسط تدهور الوضع الاجتماعي، والقرب من انفلات الأمور من عقالها، متزامنة مع اقتراب فرصة المئة يوم للحكومة التي لم تتمكن من إنجاز الحد الأدنى المطلوب.
العملة الوطنية تدهورت قيمتها إلى 75 في المئة خلال أشهر، وفقاً لسعر الصرف الرسمي، بطالة فعلية ومقنعة وصلت إلى أكثر من 60 في المئة، إغلاق مؤسسات إنتاجية، والفقر تعدّت نسبته الخمسين في المئة، فيما يرزح 25 في المئة تحت خط الفقر، باختصار وضع مزر، في وقت أعلنت الحكومة أنها غير قادرة على حماية اللبنانيين، وهو إعلان غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية.
ثمة في لبنان من يعلّق آمالاً كبيرة على النفط والغاز، لكن ثمة تقديرات وتحليلات غير متفائلة، للعديد من الأسباب المتعلقة بالوضع اللبناني، أو بالأسواق الدولية. فعمليات التنقيب التي بدأت بعد تعثر سنوات طويلة نتيجة الخلافات اللبنانية المعتادة، هي في بدايتها، وتأتي ضمن أطر الاستكشافات التي يمكن أن تأخذ وقتاً طويلاً، وهو أمر معتاد في مثل تلك الظروف، علاوة على التأكد من نوعية المكتشفات، وإمكانية أن تكون عمليات الاستخراج تجارية. وهو أمر مرتبط بمسألتين أساسيتين، الأولى إمكانية أن يكون السوق اللبناني قادراً على استيعاب الكميات الأولى في عمليات الإنتاج، والثانية القدرة التنافسية في التصدير في المراحل اللاحقة، وهو أمر دونه صعوبات لا يمكن للبنان التحكّم في مفاصلها الرئيسية. وعليه، من الواضح أن النظرة التفاؤلية لإنتاج النفط والغاز في لبنان ليست في محلها، وثمة تقديرات أولية أنه لن يكون للبنان القدرة الفعلية على الاستفادة العملية قبل عشر سنوات من الآن، وهي فترة طويلة، وحرجة، قياساً على حاجات لبنان العاجلة حالياً.
ثمة أزمة كبيرة وقع فيها لبنان، وهو غير قادر على تخطيها من دون معجزات، في وقت ليس هناك مؤشرات تفاؤلية للخروج من أزمته عبر المساعدات العربية، أو الدولية، بالنظر للسوابق التي تمت؛ علاوة على أن مفاوضات صندوق النقد الدولي لم تتوصل إلى نتائج عملية، وبالتالي، لا مخرج مالياً للأزمة المستشرية حالياً، في ظل الإعلان عن نية المصرف المركزي اللبناني تحرير سعر صرف الدولار في السوق المالية، ما يعني انفلات الأمور من عقالها من دون ضوابط عملية، ما يعني أيضاً الارتفاع الخيالي لعمليات الصرف، مترافقاً مع تداعيات سلبية على المستوى المعيشي الذي بدأ أساساً بالانهيار، ما يعزّز أيضاً عدم الثقة بالإجراءات المتخذة، وبالتالي ذهاب الأمور إلى مزيد من عمليات التذمّر، والتبرّم الاجتماعيين.
ما العمل؟ سؤال مقلق ومحيّر يأخذنا أقله نحو صور سوداوية، حيث هرب اللبنانيون من الإجابة عنها في السنوات الماضية، إذ كان الانهيار واضحاً، والحلول كانت ممكنة، ولو بهوامش ضيقة. وثمة عقود طويلة رزح لبنان تحت ضغوط هائلة، ولم يتمكن من الابتعاد عن السياسات التي زادته غرقاً وفساداً.
اليوم، في ظل حراك قائم فيه الكثير من البرامج والشعارات المحقّة، والقليل القليل من بيئة القيادات القادرة على نقل لبنان إلى بر الأمان، ما يستدعي نقلات نوعية في كيفية التحرك وإيجاد آليات تنفيذية قابلة للتطبيق، وهو أمر لازم وضروري باتجاه الخروج بحلول قابلة للحياة، وإلا لن يكون البديل مريحاً، لاسيما وأن هناك تسريبات لأخبار عن مضي لبنان إلى نماذج سيئة من الأزمات المنتشرة عالمياً، ليس أقلها النموذج الفنزويلي، أو غيره، في وقت قاتل لن تكون عواصم القرار الإقليمي والدولي قادرة على السماع بفعل انشغالاتها الداخلية الخاصة، أو في إدارتها للأزمات الأكثر أهمية بالنسبة إليها، وبالتالي ما على اللبنانيين إلا انتظار الظروف الأصعب، كما تعودوا، للأسف الشديد.

عن الكاتب

دكتوراه دولة في القانون الدولي .. رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية واستاذ القانون الدولي والدبلوماسي فيها .. له أكثر من 40 مؤلفاً ومئات المقالات والدراسات البحثية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"