منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران يتردد سؤالان: الأول، هو هل الجمهورية الإيرانية دولة إسلامية فعلا، أو أنها دولة قومية؟ الثاني، هو كيف تنعكس هاتان الصفتان على مجمل السياسات التي تتبعها الدولة الإيرانية، خاصة في علاقاتها مع دول الجوار العربية؟ يتخذ السؤالان طابعاً ملحاً عندما تمر إيران بمنعطفات حادة، كما هي الحال الآن، حيث تجد طهران نفسها وسط صراع متفاقم في العراق الذي تحكمه - علاقات مميزة - مع الجار الإيراني . ولما كانت طهران تملك قدرة ملحوظة على التأثير في مجرى الصراع إياه، فقد طرح السؤال من جديد عن هوية النظام الإيراني وعن الدور الذي يمكن لها أن تلعبه في الساحة العراقية . وبديهي أن السؤال ليس أكاديمياً، وليس الغرض من طرحه مجدداً إرضاء الفضول العلمي البحت .
في الإجابة عن السؤال الأول، نجد أن عدداً كبيراً من المعنيين بالشأن الإيراني يميلون إلى الاعتقاد بأن الجمهورية الإسلامية هي دولة دينية وقومية معاً، كما يلاحظ علم صالح في كتابه "الهوية الإثنية والدولة في إيران" . فآية الله المطهري أكد على الهوية المزدوجة الإيرانية والإسلامية للدولة، واعتبر المفكر عبدالكريم سروش الثقافات الإيرانية والإسلامية، وكذلك الغربية كمقومات رئيسية للهوية الإيرانية، بينما استبدل الأكاديمي فرهنج رجائي الثقافة الغربية بالتقاليد الرزادشتية، إضافة إلى الإيرانية والإسلامية الحديثة كمقومات للهوية المحددة للمجتمع الإيراني . ويطابق هذا المنحى في التفكير محاولات عدة قام بها زعماء دول إسلامية أخرى، مثل أحمد سوكارنو في إندونيسيا، وجمال عبدالناصر في مصر، من أجل الجمع بين الإسلام والقومية كعقيدتين محددتين لهوية البلاد ولسياساتها وخياراتها الكبرى .
ولكن هذه المحاولات التي رمت إلى التعريف بالمبادئ التي نهضت عليها هذه النظم، تثير المزيد من الأسئلة والإشكاليات لا تنفع الذين يسعون إلى رد سلوك الدول، خاصة على صعيد السياسة الخارجية، إلى الثقافة السياسية التي تعتنقها . فالبعض من هؤلاء يعتقد أن القومية هي باعث على الانقسام والفرقة وسبب الحروب، كما تؤكد الحربان العالميتان الأولى والثانية . ويرى هؤلاء أن القضاء على الحروب يقتضي الكفاح ضد القوميات والتخلص منها . وقد كان الخميني واحداً من المؤمنين بهذه الفكرة، واعتبر أن الدين الإسلامي كعقيدة أممية يقدم الحلول الناجعة لمعضلة الحروب . وجاءت تجربة الحرب العراقية - الإيرانية لكي تكرس هذه الفكرة في أذهان زعماء الثورة الإيرانية انطلاقاً من الاعتقاد بأن الدولة العراقية القومية هي التي شنت الحرب على إيران، بينما كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي المعتدى عليها .
تنطوي النظرة القائلة إن الأديان كعقائد أممية الطابع تضع حداً للحروب، على اعتقاد بأن الكيانات التي تتبع العقيدة الدينية نفسها لا تحارب بعضها بعضاً . ولكن تجارب التاريخ لا تؤيد هذه الفكرة . بالعكس كانت الانقسامات الدينية، كما يراها كثيرون، أحد أهم أسباب الحروب في التاريخ . لقد استمرت الحروب بين الكاثوليك والبروتسانت عقوداً طويلة من الزمن كلفت البشرية عشرات الألوف من الضحايا . كذلك تخلل تاريخ المجتمعات الإسلامية العديد من الحروب التي قامت بين أتباع الدين الواحد، فذهب ضحيتها أيضاً الألوف من القتلى والجرحى .
بالمقارنة مع القومية، كسبب في إشعال الحروب، يرى البعض أن النظم التي تستلهم العقائد الدينية تكون معرضة للانزلاق إلى الحروب أكثر بكثير من الحكومات التي تقوم على المبادئ القومية . فالأولى، أي الحكومات الدينية، تقوم على الإيمان وتنطق بالحق المطلق . وهنا يصعب الدخول في المساومات وأنصاف الحلول وتقديم التنازلات، وبالتالي وضع حد للمنازلات المسلحة . أما الحكومات القومية التي ترعى مصالح وحاجات الشعوب، وتعمل بموجب مبادئ وقواعد وضعية، فإنها أكثر استعداداً لتقيم التنازلات وللنظر في عروض المصالحة من الحكومات الدينية . هنا أيضاً يتدخل التاريخ لكي يدلنا على أن الحكومات القومية التي يفترض فيها أن تتصرف بموجب حسابات عقلانية كلفت البشرية في الحرب العالمية الأولى وحدها ما يقارب 35 مليون ضحية بين قتيل وجريح .
إن هذه التجارب تحثنا على الابتعاد عن النزعة إلى التبسيط بحيث نرجع الحروب بين الدول إلى واحد من عاملي الدين والقومية . إن الجماعات الدينية التي تلج ساحة العمل السياسي ليست متجانسة . هذا ينسحب أيضاً على الجماعات القومية . فبين الدينيين والقوميين من يتبنى أهدافاً ووسائل في العمل لا تنسجم مع المبادئ والقواعد المقبولة في المجتمع الدولي، فيهدد بذلك السلم العالمي، ويفسح المجال أمام المنازعات والحروب . ومنهم من يدعو إلى أهداف تخدم بلاده كما تخدم الآخرين فيخفف من شر الحروب على المجتمع الدولي .
ينسحب هذا الوضع على إيران . ففي إيران اليوم نخبة حاكمة واحدة، ولكنها تضم اتجاهات متعددة . وتنقسم هذه النخبة، بصورة عامة إلى فريقين: واحد محافظ وآخر إصلاحي . ويضم الفريق المحافظ قيادات تطمح إلى توسيع نفوذ إيران الإقليمي ولكن على حساب الجيران . وتحقيقاً لهذه الغاية تعتمد هذه القيادات أدوات ووسائل في العمل جديرة بأن تؤزم الأوضاع في المنطقة، خاصة مع الجيران العرب . ورغم أن هذا الفريق يقف ضد بعض الانتهاكات التي تمارسها بعض القوى الكبرى بحق الدول المتوسطة والصغيرة في المنطقتين العربية والشرق أوسطية، إلا أنه يقف، عملياً، جنباً إلى جنب مع هذه القوى عندما تعمل على طمس هوية المنطقة العربية، وتفكيك دولها وإضعاف الروابط التي تربط شعوبها ودولها ببعضها بعضاً .
مقابل هذا الفريق، يقف الفريق الإصلاحي الذي يبدو بحكم نزعته الإصلاحية، قبل أي اعتبار، أكثر استعداداً للتجاوب مع تطلعات الجيران العرب، وأقرب إلى التفاهم معهم، وإلى سلوك طريق التعاون النزيه من أجل إنهاء الأوضاع المأساوية التي تمر بها المنطقة . ولسوف يقدم هذا الفريق إلى إيران وإلى المنطقتين العربية والشرق اوسطية خدمة كبيرة لو استخدم نفوذ طهران في بغداد، ليس بغرض حماية رموز التعصب السياسي والأنانية والفساد التي استولت على السلطة، وإنما بالعكس، على استبدال هؤلاء الذين تحولوا إلى عبء على إيران، بقيادات جديدة من سائر الطوائف تتمتع بالكفاية الأخلاقية والوطنية والالتزام بالديمقراطية وتضع مصلحة العراق قبل مصالحها الشخصية . هذا هو الطريق الأفضل من أجل إغلاق باب الحروب وإعادة بناء المنطقة بما يكفل مصلحة العرب والإيرانيين معاً .


د . رغيد الصلح