لماذا لا تُدرّس اللغة الآراميّة في الثانويّات العربيّة؟ ففي الضاد ألغاز لا تحلّ إلاّ بمعرفة لسان الآراميين، الذين امتدّت إمبراطوريتهم اللغويّة من حدود الصين إلى أوروبا . وكانت الأرض بتتكلّم آرامي .

في حركة إصلاح الثانويّات الفرنسيّة حاليّاً، صار لزاماً على الطالب دراسة اللاتينيّة أو اليونانيّة، ثلاث ساعات أسبوعيّاً، أي ضعف المقرّر السابق . فاللاتينيّة هي أصل الفرنسيّة، واليونانيّة متشابكة معهما جذوراً وأغصاناً .

كان للآراميّة حضور في الهند، وكانت اللغة الرسميّة في بلاط فارس، وكان لها أثر كبير في اليونان وما هو اليوم تركيا . ولكن مرابعها الأصليّة هي العراق وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين . ويسمّيهم العرب النبط .

هل يستطيع العربيّ أن يحلّ ألغاز أبجديّته، من دون الرجوع إلى الآراميّة؟ ما معنى ألف؟ ولماذا جيم وليست جاء؟ وما هذه الدال؟ ولماذا واو، كاف، لام، ميم، نون . .؟ ولماذا تُغني الصبايا في فيلم نجيب الريحاني: أبجد هوز حطي كلمن . . . شكل الأستاذ بقى منسجمن؟

الألف من آلف: الثور . والجيم من جيمل: الجمل . والدال من دالت: الباب . واو: الوتد، كاف: كف اليد، لام مختصر لامد: العصا . والميم: الماء . والنون الحوت، الذي ابتلع ذا النون . وقد أخذت اليونانيّة الأبجديّة الآراميّة: ألفا، بيتا (البيت)، دلتا . . فكل الدنيا في الرياضيّات والفيزياء تنطق الحروف الآراميّة . وأبجد هوز، هو ترتيب الأبجديّة الآراميّة . وتزيد عليها الضاد ستة أحرف: ثخذ ضظغ .

منذ سنين كانت تشغلني صيغ وأوزان ومصادر في الضاد، لم أهتد إلى إدراك كنهها، إلاّ عندما تعرفت إلى الأراميّة: قاموس، فاروق، طاغوت، جبروت . . ولا يخلو الأمر من الطرائف حتى في الإملاء . لماذا نكتب المائة هكذا وهي انتهاك للقاعدة الإملائية؟ لأن الآراميين يرسمونها هكذا .

واللهجات العربية في العراق وسوريا ولبنان طافحة بالمفردات الآراميّة . فملك الأطباق العراقيّة السمك المسقوف لا علاقة له بالسقف العربيّ، وإنما بالسقف الآراميّ، وهو شك السمكة بالسيخ . وعندما تسمع أغنية يا إمّي طلّ م الطاقة، فإن إمّي ليست نطقاً سقيماً، هي في الآراميّة هكذا . وحين تسمع اللبنانيّ يقول: عليكنْ، عليهنْ، بمعنى: عليكم، عليهم، فإنه لا يعتدي على الضاد . الآراميّة هكذا .

عليك التسامح مع الإخوة الآشوريين في العراق، حين يتحدثون عن اللغة الآشوريّة . فهي لا وجود لها . لغتهم آراميّة رغم أنوفهم، فآشور دولة لا لغة . ولا تصعّر خدّك للإخوة السّريان حين يبالغون في الحديث عن السّريانيّة، وهي تسمية انطلت على التاريخ . فاللغة آراميّة ولا وجود للغة سريانيّة . كل ما هنالك هو أنهم آثروا وصفها بالسريانيّة هروباً من الآرامية، لأن الآراميين كانوا وثنيين .

اليهود لصوص يسطون على الأرض والحمّص والتبّولة والفساتين والرقصات، وعلى الخط الآراميّ . فالخط الذي يستخدمونه ليس عبريّاً، وإنما هو المسمّى الآراميّ المربّع . على الآرامية أن تردّد المثل: ورثوني وعيني حيّة .

يبقى أن الآرامية تدرّس في جامعات إسرائيل، فهل هم أحق بها منّا؟

[email protected]