من أجل تحقيق نظام للسيطرة على مجتمع من المجتمعات، يتعين الوصول إلى مرحلة يشعر فيها المسيطَر عليهم بأنهم أحرار، حين يجري التحكم في نوازع السلوك، وليس في السلوك النهائي، أي التحكم في الحوافز والرغبات والأماني .
يعيننا هذا على فهم حالة نموذجية للهيمنة تمثلها، على الصعيد الكوني، الولايات المتحدة الأمريكية، حين نكتشف أنه ليس جديداً عليها إسباغ خطاب ثقافي، وأحياناً ديني، على مساعي هيمنتها على العالم .
أحد قدماء الرؤساء الأمريكان، توماس جيفرسون، في خطابه الرئاسي الأول عام ،1801 قال إن الأمريكيين هم شعب الله المختار، وهذا قول واحد من مجموعة أقوال تقصاها الأستاذ شوقي جلال من مصادر وباحثين أمريكيين، بينها أيضاً قول لجورج واشنطن أول رئيس للولايات المتحدة، ورد في خطاب رئاسته، إنه مُوكل بمهمة عهدها الله إلى الشعب الأمريكي .
كان ذلك في عام ،1789 أي في القرن الثامن عشر، وهو قول يذكرنا بما ردده جورج دبليو بوش مراراً، بأنه رأى في المنام تكليفاً إلهياً بإنقاذ العالم من الطغيان . الرئيس الأمريكي الثاني جورج آدمز قال هو الآخر إن استيطان أمريكا الشمالية تحقيق لمشيئة إلهية، أما تيودور روزفلت فقد استخدم تعبيراً، يبدو كأنه ينتسب إلى يومنا هذا حين قال أمركة العالم هي مصير أمتنا وقدرها .
الجديد، أو الذي يبدو جديداً على الأقل، هو الإيغال في التركيز على الطابع الثقافي لهذه المهمة، لتمويه جوهرها الحقيقي، جوهر الهيمنة على العالم وثرواته . ويبدو الأمر فادحاً حين يدور الحديث عن تصميم مقصود للثقافة وما ينطوي عليه من سيطرة على السلوك، إذا أريد للجنس البشري أن يستمر في النمو والتطور .
إنها عبارة مفزعة حقاً، فرغم المزاعم الليبرالية التي يسعى الساسة الأمريكان لإسباغها على توجهاتهم، فإن دعوة مثل هذه لا تكاد تفترق في شيء عن الدعوات الشمولية التي ترفض التعددية وتجنح نحو تسييد ثقافة واحدة للكراهية .
إن تعبير التصميم المقصود للثقافة سيعني في عبارات أخرى أكثر تحديداً ووضوحاً، هندسة هذه الثقافة وتوجيهها لإنكار العقل والوعي، بل إن الحديث يدور عن النظر إلى العقل بوصفه مجرد حاوية أفعال منعكسة .
ولكي ندرك أكثر بعض ما يدور حولنا، علينا قراءة هذه النصيحة الجهنمية التي يسديها أحدهم خير الأمور أن يجري تغيير العقول خفية حتى لا نستثير الشخص المعني ويسعى إلى الانتقام .