ربما الأدقّ القول: «الكتابة عن الحرب»، فليس كلّ ما كُتب عنها كُتب ورحاها تدور، فبعضها جاء بعد مرور فاصل زمني بينها والكتابة عنها، كما فعل تولستوي في «الحرب والسلام»، التي تناول فيها أحوال وطنه روسيا فترة غزو نابليون لها، حتى أنه أنفق نحو ست سنوات في كتابتها (1863 – 1869) كتب خلالها عدة مسودات من الرواية، حتى انتهى إلى صيغتها النهائية، ويقال إن زوجته صوفيا أعادت نسخها يدوياً عدة مرات، منتجة نسخاً واضحة ليتمكن من مراجعتها مراراً.
شكا تولستوي من ندرة الوثائق والمراجع المتعلقة بالحياة اليومية والاجتماعية الروسية خلال فترة غزو نابليون (1812)، ففي رسالة إلى زوجة شقيقه، إليزابيث بيرس، وهو يعكف على قراءة التاريخين الروسي والفرنسي في فترة الحرب، عبّر عن إحباطه من غياب المراجع التي توثق المذكرات الشخصية ويوميات تلك الحقبة، مقابل الكميات الكبيرة من الوثائق العسكرية والتاريخية الرسمية.
البريطاني جورج أوريل أشار في مقاله: «لماذا أكتب؟» إلى أنّ الحرب الأهلية الإسبانية أدارت، بالنسبة له، كفة الميزان، فبسببها عرف أين يقف. برأيه من العبث الاعتقاد أنه بإمكان المرء تفادي الكتابة في القضايا الجوهرية التي تتصل بمصائر الأفراد والمجتمعات، وبكلماته فإنه عندما يجلس لكتابة كتاب لا يقول لنفسه: سوف أنتج عملاً فنياً، بل يكتبه لأن هناك كذبة يريد أن يفضحها، دون التضحية بالنزاهة الجمالية والفكرية المنشودة من الكتابة.
«إذا استمرت الحرب» كتاب جميل للكاتب الألماني هيرمان هيسه، وهو ليس رواية كغالبية كتبه، وإنما مجموعة مقالات كُتبت في سياق الحرب العالمية الأولى، وتفتح قراءة هذا النص اليوم، في ضوء ما شهده العالم من تطورات، أفقاً لفهمٍ أعمق لما يدور حولنا.
وفي المقال الذي حمل عنوان: «آه يا أصدقائي.. ليست هذه النغمات» الذي تضمنه الكتاب، يبدو هيسه أكثر تفاؤلاً من جورج أوريل الذي كاد أن يجزم في روايته «1984» أن الحرب ليست نتيجة خطأ، بل أداة مقصودة لإدامة السيطرة، تُستخدم لإبقاء المجتمعات في حالة خوف، فيما أظهر هيسه ميلاً للاعتقاد أن إلغاء الحروب أنبل أهداف الإنسانية والغاية النهائية للأخلاق، داعياً لعدم الكفّ عن أن «نجعل السلام على الأرض والصداقة بين البشر هدفاً أسمى، لأن الإيمان الراسخ بأن الحياة تستحق أن تعاش هو المغزى والعزاء النهائيان».