من ذاكرة «فيسبوك» طالعني مقتطف عذب نشرتهُ قبل أحد عشر عاماً، ذيلته باسم شاعر من المكسيك يدعى خوسيه مانويل، وأنا أعيد قراءة المقتطف انتابني فضول للبحث عن معلومات عن الشاعر الذي راقت لي عبارته.
قل لنا يا «غوغل» من هو؟ فانهالت قائمة أسماء خوسيه مانويل، وبنظرةٍ سريعة وجدت أن غالبيتهم ليسوا شعراء، ولأن السياسة تتصدر عناوين البحث، فإن أول من صادفني اسمه، هو وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس بوينو.
فضاء الشعر يكاد يكون نقيضاً لفضاء السياسة. تجاوزته بحثاً عن ضالتي، فطالعني خوسيه مانويل آخر، مدرب كرة القدم الإرجنتيني خوسيه مانويل مورينو، مع تعريف يقول إنه كان بين أفضل 25 لاعباً في العالم في القرن الـ 20 وبين الخمسة الأفضل في أمريكا الجنوبية.
أيكون فضاء كرة القدم، هو الآخر، نقيضاً لفضاء الشعر؟ لم أجزم بنعم، ربما لأني تذكرت ما قاله الشاعر يفغيني يفتوشينكو في سيرته الذاتية المعنونة «العمق الرمادي»: «بالليل أكتب الشعر وفي النهار ألعب كرة القدم»، مضيفاً أن متعة خداع عدة خصوم بمراوغات غير متوقعة، ثم تسجيل إصابة مفاجئة في الشباك كانت بالنسبة له متعة شعرية حقيقية.
رغم ذلك، ليس هذا خوسيه مانويل الشاعر الذي أبحث عنه، ورغم أني عثرت على اسم شاعر ومترجم مكسيكي يشبه اسمه، هو خوسيه إميليو باتشيكو بيرني، لكن ما ورد من معلومات لا يدل على أنه قائل المقتطف الذي أحببته، ولما يأست من أن يقودني محرك البحث بالعربية إلى غايتي، كتبت إلى الصديقة فائزة مصطفى الشغوفة باللغة الإسبانية، شاكياً لها تشابه الأسماء، فكان أول ما أفادتني به هو أن خوسيه مانويل اسم مركب، ففي المكسيك لا يكفي أن نقول خوسيه وحدها، بل يجب أن يعقبها اسم آخر لصيق بها: خوسيه ميغيل، خوسيه ارماندو وهكذا، وهذا ما يفسر كثرة خوسيه مانويل الذين صادفوني.
أعرف فضولكم إلى معرفة العبارة التي سببت كل هذه «الجلبة». هاكم إياها إذن: «أنْ تقرأ كتاباً، أن تستمع إلى كونشيرتو، أن تتأمل لوحة، فكلها أشكال فورية وفعالة للدفاع عن أنفسنا من كل ما يُهيننا أو يسعى إلى أن ينقص من اختياراتنا للحُرية والطمأنينة».
وبشيء من التشاور مع الأستاذة فائزة رجّحنا، ولم نجزم، أن قائلها هو المكسيكي خوسيه مانويل بنتادو المولود في عام 1948.
في أجواء الحرب التي عاشتها منطقتنا خلال الأسابيع الماضية، طالعني نصّان لشاعرتين خليجيتين: عائشة الكعبي من الإمارات وبتول حميد من البحرين، يظهران رهافة الشعر إزاء قسوة الحرب ورعبها، فيغدو الشعر بمثابة سلوى من مصيرٍ نجهله يثير في النفوس القلق والخوف، ويصادر الطمأنينة.
في نصّها «حديقة سريّة» تقول عائشة الكعبي: «حين تمطر السماء دوياً/ أعزف معك/ هديل حمامةٍ عاشقة/ تلقي بثقل صدرها كلّه/ على غصنٍ رصين/ يعرف كيف يعانق حمامته/ في هدوءٍ تام/ لا يخدشه طنين مُسيّرة/ ولا انفلات صاروخ!». فيما تقف بتول حميد في أحد نصوصها القصيرة المعنونة «أغان مكسورة» على المفارقات الناشئة عن الحرب، فتجعل لما اعتدناه وأحببناه وظائف أخرى نقيضة: «في الحرب يتحوّل المقال إلى بلدوزر/ الطائرة إلى أداة قتل/ المواعيد إلى تكّات قلق».
لو استثنينا تجربة الكويت المؤلمة مع احتلال القوات العراقية لها في عهد صدّام حسين، وما تلاه من حرب إخراج القوت الغازية، فإن تجربة الحرب التي عاشتها بلداننا نحو أربعين يوماً متواصلة مؤخراً، هي الأولى من نوعها في عصرنا الحديث. لم تتوقف فيها أصوات الصواريخ والمسيّرات والمضادات ليلاً ونهاراً، موقعة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في مرافق حيوية، لكن ذاكرة شعوب كثيرة، بما فيها شعوب عربية، مثقلة بالحروب وأوجاعها، ومن الطبيعي أن نجد تجليات لذلك في نصوصٍ لقامات شعرية عاصرت تلك الحروب، وذاقت مراراتها.
عن إحدى الحروب على غزة قال محمود درويش: «إذا سألوك عن غزة.. قل لهم بها شهيد، يُسعفه شهيد، ويُصوّره شهيد، ويُودعه شهيد، ويُصلي عليه شهيد». وتتحول القصيدة عند الشاعر التشيلي بابلو نيرودا وهو يتناول الحرب إلى شهادة على الانتهاك وفعل محاسبة: «تعالوا وانظروا الدم في الشوارع». يخرج الشاعر من الذات إلى العالم، ليرى الحرب صدمة أخلاقية مستمرة، لا مجرد نزاع سياسي.
ورغم أن الشاعر الروسي فلاديمير مايكوفسكي كتب من قلب الثورة، لكن ذلك لم يحمله على تجاهل حقيقة أن الحرب تلتهم الإنسان اليومي، كما يتبدى ذلك في أبياته القائلة: «أيتها الحرب/ لماذا تسرقين من الأرض/ وجوه الفلاحين البسيطة؟». أما عند الشاعر التركي ناظم حكمت فإن الحرب خيانة للأحلام الإنسانية، ضحاياها الحقيقيون الأطفال والأجيال القادمة: «أجمل البحار/ هي التي لم نذهب إليها بعد/ وأجمل الأطفال لم يكبروا بعد/ فلماذا تقتلهم الحرب؟».
ربما الأدقّ القول: «الكتابة عن الحرب»، فليس كلّ ما كُتب عنها كُتب ورحاها تدور، فبعضها جاء بعد مرور فاصل زمني بينها والكتابة عنها، كما فعل تولستوي في «الحرب والسلام»، التي تناول فيها أحوال وطنه روسيا فترة غزو نابليون لها، حتى أنه أنفق نحو ست سنوات في كتابتها (1863 – 1869) كتب خلالها عدة مسودات من الرواية، حتى انتهى إلى صيغتها النهائية، ويقال إن زوجته صوفيا أعادت نسخها يدوياً عدة مرات، منتجة نسخاً واضحة ليتمكن من مراجعتها مراراً.
شكا تولستوي من ندرة الوثائق والمراجع المتعلقة بالحياة اليومية والاجتماعية الروسية خلال فترة غزو نابليون (1812)، ففي رسالة إلى زوجة شقيقه، إليزابيث بيرس، وهو يعكف على قراءة التاريخين الروسي والفرنسي في فترة الحرب، عبّر عن إحباطه من غياب المراجع التي توثق المذكرات الشخصية ويوميات تلك الحقبة، مقابل الكميات الكبيرة من الوثائق العسكرية والتاريخية الرسمية.
البريطاني جورج أوريل أشار في مقاله: «لماذا أكتب؟» إلى أنّ الحرب الأهلية الإسبانية أدارت، بالنسبة له، كفة الميزان، فبسببها عرف أين يقف. برأيه من العبث الاعتقاد أنه بإمكان المرء تفادي الكتابة في القضايا الجوهرية التي تتصل بمصائر الأفراد والمجتمعات، وبكلماته فإنه عندما يجلس لكتابة كتاب لا يقول لنفسه: سوف أنتج عملاً فنياً، بل يكتبه لأن هناك كذبة يريد أن يفضحها، دون التضحية بالنزاهة الجمالية والفكرية المنشودة من الكتابة.
«إذا استمرت الحرب» كتاب جميل للكاتب الألماني هيرمان هيسه، وهو ليس رواية كغالبية كتبه، وإنما مجموعة مقالات كُتبت في سياق الحرب العالمية الأولى، وتفتح قراءة هذا النص اليوم، في ضوء ما شهده العالم من تطورات، أفقاً لفهمٍ أعمق لما يدور حولنا.
وفي المقال الذي حمل عنوان: «آه يا أصدقائي.. ليست هذه النغمات» الذي تضمنه الكتاب، يبدو هيسه أكثر تفاؤلاً من جورج أوريل الذي كاد أن يجزم في روايته «1984» أن الحرب ليست نتيجة خطأ، بل أداة مقصودة لإدامة السيطرة، تُستخدم لإبقاء المجتمعات في حالة خوف، فيما أظهر هيسه ميلاً للاعتقاد أن إلغاء الحروب أنبل أهداف الإنسانية والغاية النهائية للأخلاق، داعياً لعدم الكفّ عن أن «نجعل السلام على الأرض والصداقة بين البشر هدفاً أسمى، لأن الإيمان الراسخ بأن الحياة تستحق أن تعاش هو المغزى والعزاء النهائيان».
«من عزّ النوم يسرقني» الصوت المدوي، لا، ليس صوتاً واحداً وإنما أصوات متتالية كالتي اعتدنا سماعها على مدار الأسابيع الأربعة الماضية، منذ أن اندلعت الحرب الدائرة من حولنا، ووجدنا أنفسنا وأوطاننا هدفاً لها، أصوات الصواريخ والمسيرات الإيرانية المعتدية، والمضادات الأرضية التي تتصدى لها دفاعاً عن الوطن وأهله وساكنيه، وحماية له من كيد الكائدين.
استغرق الأمر مني دقائق حتى أدرك أن ما «سرقني» من النوم، هذه المرة، ليس هو نفسه الذي فعل بنا الفعل نفسه في ما انقضى من أيام وأسابيع، وإنما هو دوي الرعد المصاحب للأمطار الغزيرة التي شهدتها بلدان الخليج، والتي ما إن انهمرت حتى خطر في بالي أن السماء أرادت تطهير نفسها من كمّ الغازات التي لوثتها على مدار أسابيع، والكثير منها آتٍ من استهداف محطات تصفية البترول وخزانات الغاز وسواها.
ليست أصوات الرعد جديدة على مسامعنا، لقد ألفناها طوال أعمارنا كلما انهمرت علينا الأمطار التي يسمونها رعدية، لكنها المرة الأولى في العمر التي يلتبس على الأذن الصوتان: صوت الرعد وصوت الانفجارات، ولستُ في حاجة لأن أشرح الفرق بينهما. الأول هو صوت الحياة والفرح والأمل والمنذر بخصوبة الأرض، حين ترسل السماء عبر رعدها بشارتها بالمطر المصاحب أو الآتي بعد هنيهات، فيما الصوت الثاني هو صوت الموت والدمار والخراب ومقت الحياة، ممن يعزّ عليهم أن يعيش الناس في أمن وأمان.
أسأل نفسي: أجنت علينا الأقدار حين وضعتنا في مرمى فوهات النيران في حرب لسنا طرفاً فيها وليس لنا فيها مصلحة؟ أياً كان الأمر نحن في لحظة تحدٍ كبير تواجهها أوطاننا، والولاء للوطن والدفاع عنه وسيادته وسلامة أبنائه مسؤولية وطنية في كل الأوقات، ولكن قيمة كل ذلك تتضاعف مرات عند المحن.
ساعتها استحضرت أغنية من أجمل ما غنته فرقة «أجراس» البحرينية التي أسسها الفنان سلمان زيمان، من كلمات الشاعر السعودي مسفر الدوسري، تقول: «يمه هذي الأرض أرضك/ هذي نبضك/ هذي أقدارك وحظك/ خل جفنك دوم يسهر/ الوطن مهو قصيدة/ تنكتب في قلب دفتر/ الوطن ياوليدي أكبر/ الوطن يا وليدي كلمة/ تختصر ماضي وحاضر/ تختصر أحلام باكر/ الوطن موال أخضر/ الوطن أيام حلوة/ أيام عسرة/ بيت وذكرى/ شوق دافي حب دايم/ في عيون الكل يكبر».
يذكر الأديب المصري الكبير زكي نجيب محمود (1905 – 1993)، أن مجلةً طلبت منه، ذات مرة، كتابة مقال عن أسلوب عباس محمود العقاد. كتب على الصفحة البيضاء العنوان وراح يحدّق فيه. خاطر خطر في ذهنه لحظتها: لماذا نتحدث عن «أسلوب» الكاتب، فيما المفردة مشتقة من الفعل: سلب، أي سرق، وسأل نفسه: ما العلاقة بين السلب والكتابة؟ وضع الورقة والقلم جانباً وذهب إلى المعاجم يُفتش عن تفاسيرها للمفردة، فوجد بين ما وجد تفسيراً وصفه ب«الجميل جداً» يفيد بما معناه أنه يصبح للكاتب أسلوب عندما ينجح في أن يسلب، أو يسرق، من نفسه سرّها، فليس كل إنسان يستطيع الإفصاح عما تضطرب به النفس من أفكار أو مشاعر، لكن الكاتب القدير يستطيع ذلك، أو هكذا يفترض، بأن يسحب مما يختلج في داخله، ويعرضه على الورق، وإلا ظلّ كامناً في النفس لا يعلم أحد بأمره، لذا بوسع القارئ، النابه خاصة، أن يتعرف إلى شخصية الكاتب من خلال ما يكتبه.
هذا بعض ما قاله زكي نجيب محمود في حوار تلفزيوني ثري أجراه معه الأديب والإعلامي فاروق شوشة حول تجربته في كتابة المقال بالذات، لكونه أحد أعمدته، وفيه تحدث محمود ببلاغة، تذكرنا بأحاديث طه حسين، موضحاً أن المقال جنس أدبي له جذوره في أدبنا العربي القديم حتى لو لم يكن يعرف بذلك، ومن الأمثلة التي دلل بها فن المقامة أو الرسائل مثل رسائل الجاحظ أو غيرها التي هي ضروب من المقالة الفنية، كما أطلق عليها تمييزاً لها عن نوع آخر من المقالة هو «المقالة الساردة».
وعن الفرق بين النوعين، المقالة الساردة والمقالة الفنية، قال محمود إن الأولى قائمة على الانتقال من فكرة إلى فكرة، فما يقوله الكاتب في فقرة تالية مبني على ما ورد في سابقتها، أما المقالة الفنية فتبنى على الانتقال من بقعةٍ إلى بقعة ومن محطةٍ إلى أخرى دون التقيّد بالتسلسل الصارم، فتخلق لدى المتلقي شعور من يتنقل من غرفة إلى غرفة في متحفٍ أو قصر، لكل غرفة جوّها، لكن كلها تحت سقف واحد، وفي هذا النوع من المقالة، أي الفنية، تبرز ذات الكاتب أكثر مما تبرز في المقالة الساردة المعنيّة، في المقام الأول، بشرح الفكرة.
في أي زيارة لي للعاصمة الأردنية، عمّان، في السنوات العشر الأخيرة كان اللقاء مع الأديبة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي عادة محببة، حيث كانت أديبتنا، التي رحلت عن دنيانا قبل أيام، تقيم هناك، ولمست في كل تلك اللقاءات لطف معشرها وعمق ثقافتها وغنى تجربتها في الحياة وفي الكتابة، بالمقابل قرأت لها الكثير مما وضعته من كتب، تأليفاً أو ترجمة، وأغلبية ما تضمّه مكتبتي من كتبها ممهور بتوقيعها وبكلمات إهداء دافئة تنمّ عن رقتها ونبل شخصيتها.
على مدار عقد أو أكثر، كتبتُ كثيراً من المقالات عن كتبها في زاويتي اليومية في «الخليج»، لاحظت فيها أن لطفية، إضافة إلى كونها روائية وقاصة متميزة، فإنها كاتبة مقالة صحفية ثريّة، ومترجمة متمكنة من الإنجليزية، نقلت الكثير من الأدب والفكر العالميين إلى لغتنا، بعضها روايات عالمية شهيرة، وبعضها دراسات وأبحاث تتصل بالرواية والسيرة والأدب عامة، أو بالدراسات الثقافية والفكرية التي تتناول قضايا راهنة ترصد وتحلل تحولات الثقافة في عالم اليوم، كأنها جمعت بين الحسنيين اللذين قصدهما جوزيه ساراماجو بقوله: «الكتّاب يقدّمون أدباً وطنياً، أما المترجمون فيقدّمون أدباً عالمياً».
واصلت الدليمي دأبها على العمل الثقافي حتى نهاية حياتها، رغم الصعوبات التي أحاطت بوطنها العراق، من حروب وحصار واضطرابات سياسية، مقدّمة نموذجاً للمثقف الذي لا تهزمه المحن، فيجعل من الإبداع والإنتاج المعرفي شكلاً من المقاومة والمثابرة الثقافية في مواجهة الخراب، لهذا كان الوطن في كثير من نصوصها أكثر من مكان، إنه ذاكرة شخصية وجماعية، ليس فقط لتستعيد ما عرفه من محن لم تنته، وإنما لإظهار ما يختزنه من طاقات، ومن إرث حضاري عصي على الفناء.
تحضر النساء في كتابة لطفية الدليمي بوصفهن كائنات مملوءة بالأحلام والقلق والأسئلة، فلسن شخصيات هامشية في الحكاية وإنما هن متنها، توغلت في العوالم الداخلية لشخصياتهن، حيث تمتزج الهواجس الفردية بأسئلة الوجود والحرية والبحث عن مغزى الحياة، وليس ضرورياً أن يأتي حضور المرأة في أدبها في صورة خطاب احتجاجي مباشر، إذ نلتقي في بعض نصوصها نساء يعشن وحدة وجودية، يتأملن حيواتهن الماضية، ويحاولن الثبات بوجه القسوة، فيبدو عالمها أقرب إلى مختبر تكتشف فيه أعماق التجربة النسوية: الخوف، الذاكرة، الحنين، والتوق إلى الحرية.