الإمبراطور موجود لكن أين الإمبراطورية؟

اليوم، غداً
04:59 صباحا
قراءة دقيقتين

تساءلنا بالأمس: وهل أمريكا في 2009 قادرة بعد على التوسّع الامبراطوري (أو الحفاظ على التوسّع) كما فعلت العام 1900؟

الجواب هو قطعاً لا، والأسباب اقتصادية في الدرجة الأولى.

في العام 1900 كانت أمريكا القوة الاقتصادية الصاعدة الرئيس في العالم. فهي الصناعي الأول، والمُصدر الأول، والدائن الأول. في العام 2009 انقلبت الآية رأساً على عقب، فباتت المستهلك الأول والمستورد الأول والمدين الأول، مع قائمة ديون تتجاوز الخمسة تريليونات دولار، أي مايوازي أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي (وربما قريباً نصفه).

أمريكا أصبحت الآن معتمدة على العالم بعد أن كان العالم معتمداً عليها. لكنها لاتزال ترفض الاعتراف بهذه الحقيقة، مدفوعة أساساً برفض القوى الكبرى الأخرى تحمّل مسؤوليات وأكلاف أدوارها العالمية الجديدة.

موقف هذه القوى يشبه إلى درجة غريبة موقف أمريكا نفسها في أوائل القرن العشرين، حين لم تكن راغبة هي الأخرى بأن تلعب دور القوة العظمى وأن تتحمل مسؤولية إدارة النظام العالمي. وهي، بدلاً من ذلك، عمدت آنذاك إلى دعم الامبراطورية البريطانية الغارقة بالديون. كانت القوة البريطانية قد ذوت كلياً تقريباً العام ،1914 لكن أمريكا وفّرت لها الثدي الذي رضعت منه مالياً لإبقائها على قيد الحياة كدُمية قوة عظمى حتى مابعد الحرب العالمية الثانية. لكن أمريكا سحبت دعمها فجأة العام 1956 حين غزت بريطانيا مع فرنسا وإسرائيل مصر، لأنها قررت إستلام صولجان الزعامة العالمية بنفسها. وكان كافياً لتفعل ذلك أن ترفض منح بريطانيا قرضاً فأسفر ذلك عن انهيار الجنيه الإسترليني.

بالطبع، أمريكا ليست بريطانيا. فهي أقوى بكثير، وأكبر بكثير. لكن القانون نفسه قد ينطبق هنا. فحين تشعر الدول الكبرى الجديدة (الصين، الاتحاد الاوروبي، اليابان، الهند، البرازيل، وروسيا) أن قوتها الاقتصادية باتت قوية بما فيه الكفاية وبأن الاقتصاد الأمريكي بات ضعيفاً بما فيه الكفاية، فإنها ستنشط لتنظيم مرحلة انتقالية تسمح بموجبها للولايات المتحدة أن تنزل بالتدريج عن عرش الزعامة العالمية.

بيد أن هذا الانتقال، على رغم تدرجيته البطيئة، سيكون عملية مؤلمة للغاية لكل من الشعب والحكومة الأمريكيين. فمستوى معيشة الأمريكيين، ومعه الشعور بالفخار القومي، سينحدران بشدة إذا ماتوقفت الدول الأخرى عن تمويل الديون والعجوزات الأمريكية. والنخبة الحاكمة الأمريكية ستجد صعوبة بالغة في التأقلم مع الفكرة بأن الامبراطور لم يعد يمتلك إمبراطورية.

بيد أن الأطراف الدولية الأخرى لن تتوقف عند هذا الأمر، وهي تعد العدة بنشاط الآن لمرحلة ما بعد الزعامة الأمريكية. فاليابان، على سبيل المثال، تمارس استراتيجية منع أمريكا من القيام بأي خطوة متهورة لمدة عقد من الآن إلى حين تصبح قادرة على الاكتفاء ذاتياً في آسيا وعلى الاستقلال عنها. والصين وأوروبا تفعلان الأمر نفسه، مع فترة سماح لاتتجاوز العام 2020. هذا في حين تلعب روسيا والبرازيل دور الأنبياء الذين يخططون ويتنبأون بطبيعة النظام العالمي التعددي الجديد.

باراك أوباما يقترب كثيراً من قبول فكرة تحوّل أمريكا إلى الأولى بين متساوين، وليس الأولى بين لا شيء كما كان يريد جورج بوش. لكن، هل بقية المؤسسات الحاكمة الأمريكية، التي تعج بكل أنواع الصقور والكواسر، ستقبل بذلك؟ حتماً لا.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"