في الستينات، عندما كان التلفزيون لا يزال حديث العهد، كان المسؤولون فيه شديدي الحرص على تقديم البرامج الأخلاقية الهادفة، وكانت النصيحة التي يقدمها الخبراء للشباب هي: تابعوا برامج التلفزيون، ففيها الكثير مما يفيدكم. وشيء مشابه يمكن أن يقال عن السينما.
والقضايا التي تشغل العاملين في التلفزيون والسينما كانت القضايا الاجتماعية والأخلاقية التي تقدم من زوايا غير صادمة للحس والتقاليد، وكم كرهنا الظلم وذرفنا الدموع ونحن صغار على المصاعب التي واجهتها فتاة ظلمتها الأقدار، وكم ظهر الابتعاد عن جادة الصواب والتخلي عن القيم الأخلاقية بشعاً عندما كنا نرى ان من يفعل ذلك يحكم على نفسه بالشقاء مدى الحياة، وفي كثير من الأحيان كان الناس يجدون الأمل في السينما، فقد كانت تحدثهم عن أشخاص تمكنوا من تجاوز واقعهم وتحقيق النجاح في الحياة رغم المتاعب التي تطاردهم. وبشكل عام كانت السينما تحاول أن تقول لنا إن الناس طيبون إذا أخلصنا في التعامل معهم، والحياة تستحق أن تعاش، إذا التزمنا فيها بالطريق القويم. وكانت تقدم النماذج السلبية المنحرفة بطريقة ينفر منها الناس، والنماذج الإيجابية بطريقة محببة توحي بالتعاطف.
الآن، تغير الوضع، فالسينما بلغت مرحلة الخرف، والتلفزيون الذي تغير من الأبيض والأسود إلى جميع الألوان يمارس مراهقة متأخرة، والقنوات الفضائية التي تنتشر على نطاق واسع نبذت كل المعايير وانضمت إلى قافلة الترويج لأفكار تهدد كيان الأسرة ومستقبل الشباب وتشجع على الانحراف عندما تعرض النماذج المنحرفة بطريقة قريبة إلى القلب. وفي الوقت الذي كان رجال التربية يطالبون الشباب بمتابعة التلفزيون في الماضي، فإنك لا تجد خبيرا تربويا واحدا ينصح الشباب بمتابعة التلفزيون هذه الأيام.
وفي إحصائية ميدانية في الولايات المتحدة، تبين أن الوقت الذي يمضيه الشباب أمام التلفزيون أكثر من الوقت الذي يمضونه على مقاعد الدراسة، إذ إن الطالب يمضي ما يعادل 1100 ساعة أمام التلفزيون في مقابل كل 900 ساعة يقضيها في الدراسة.
وفي مدرسة هيلينا المتوسطة بولاية ألاباما الأمريكية، وضع مدير المدرسة طلابه البالغ عددهم 600 طالب أمام التحدي الكبير: عدم الجلوس أمام التلفزيون لمدة يوم واحد في الشهر وتمضية هذا اليوم مع العائلة، وأعطى هذه العملية اسما كوديا هو: عملية الإطفاء، وقال لهم: صدقوني عندما تصلون إلى سن الشيخوخة وتتذكرون ما كان، وما ينبغي أن يكون، لن يقول أحدكم: أتمنى لو أنني أمضيت فترة أطول في مشاهدة التلفزيون.
وقال طالب في العاشرة من عمره يدعى شيلبي هال أمضي ذلك اليوم في حديقة عامة مع والده ووالدته وشقيقته الصغرى التي لا يزيد عمرها على ست سنوات: تناولنا الغداء في الحديقة، ولعبنا الكرة وبعض ألعاب التسلية، وتحدثنا كثيرا، إلى حين حلول الظلام، ثم عدنا إلى المنزل، وبعد العودة قررت العائلة بأسرها تطبيق هذا البرنامج على النطاق العائلي وتخصيص يوم في الشهر نلتقي فيه وقالت والدته: عندما أتذكر كيف كنا نعود إلى المنزل فلا يتحدث أحدنا إلى الآخر: الأولاد أمام الكمبيوتر أو ألعاب الفيديو، أو مع الأب والأم أمام التلفزيون، أشعر بالغصة لأن السعادة الحقيقية كانت تضيع منا من دون أن ندري.
والتلفزيون يسرق السعادة منك بالفعل، وهذه المهمة يصعب تحقيقها بتقديم البرامج الهادفة، ولذلك فإنه يقدم برامج تخاطب أحط الغرائز لدينا، لتحقيق غايته.