يبدو أن هناك التباساً لابد من تبديده عن الأطروحات العربية الشائعة عن التعليم، لأن هناك من يتصورون أن ما نحتاج إليه هو مضاعفة عدد المدارس والجامعات، للحد من التفشي الوبائي للأميّة، سواء بمعناها الحرفي الأبجدي أو بالدلالات الثقافية والسياسية مقابل آخرين أقل عدداً يرون أن بيت الداء في موضوعة التعليم ليس هذا، أو ما يشبهه من توصيفات سطحية وأفقية، بل هو في التعليم ذاته، مناهجه وأساليب ممارسته ومجمل الديناميات المتعلقة بجوهوه كشرط أساسي للتنمية البشرية وتأهيل الشعوب لمجابهة ما يتحداها في عصر لم يعد التسامح فيه ممكناً مع من يتخلفون أو يحاولون الدخول إلى القرن الجديد بعكازات وليس هناك فصل بين الأطروحتين من حيث المبدأ، لأن الحاجة إلى توسيع مجال التعليم لا تتناقض مع حاجة أخرى للتعميق واجتراح آفاق جديدة لكن الدمج بين هاتين الرؤيتين لا يتم بالتلفيق أو إمساك العصا من الوسط، لأن هناك علاقة جدلية بين الاتجاهين وهما يمثلان بشكل أولي الكم والكيف معاً .

وإذا كان المقصود بالإكثار من عدد المدارس والمعاهد والجامعات من دون أي تخطيط، مضاعفة عدد العاطلين، فإن الأزمة لن تنفرج بل ستنفجر بحيث لا يعود التفريق ممكناً وعلى نحو حاسم بين حراك اجتماعي وسياسي من أجل الحريات وحراك آخر من أجل الرغيف، وما يسمى ثورة الجياع هو التعبير المجازي عن كل ما تفرزه البطالة من آفات، حيث يرتفع منسوب الجرائم والانتهاكات، ويتم تبرير ذلك كله باسم الجوع أو أمراض الفقر .

ومنذ عقدين على الأقل، كان هناك من يلحّون على إعادة النظر في مناهج التعليم، وهم ليسوا جميعاً في قارب واحد أو تصدر آراؤهم عن النوايا ذاتها . فثمة من يريد من تغيير المناهج تدجينها ونزع دسمها الحضاري والقومي، بعكس آخرين يسعون إلى تعميق الوعي بالتاريخ والهوية وأخيراً بالذات الجريحة التي تحاول استراتيجيات عدة إفراغها من مضمونها وتحويلها إلى مجرد رقم أصم في جداول الصدقات والإعانة .

وهنا يجب علينا أن نحذّر من النماذج المطروحة من أجل محاكاتها، فالتعليم ليس كالاقتصاد أو الزراعة رغم أهمية هذين الحقلين الحيويين في حياة الشعوب، ففي مثل هذه الحقول يمكن استخلاص تجارب لدى الآخرين، لكن بعد إعادة النظر فيها لتصبح ملائمة ومتناغمة مع بيئات اجتماعية مغايرة .

وإذا كان هناك بلدان عربية تقترح إضافة لغات إلى مناهجها كالتركية مثلاً، فمن باب أولى الاهتمام باللغة الأم التي باتت لفرط ما يرطن بها أصحابها، بحاجة إلى تعريب جديد .

ولا بأس أن تتسع مناهج التعليم في الوطن العربي لإضافات جديدة في اللغات والعلوم والآداب والفنون، فهذا يضيف إليها بعداً إنسانياً في زمن يحل فيه حوار الحضارات والثقافات بديلاً لصراعها وفق نظرية هانتننغتون التي يدحضها المستقبل .

وإذا كان هناك من يتحدثون عم نتعلم وكم نتعلم، فإن الساقط سهواً أو عمداً من هذه الأسئلة هو كيف نُعَلّم ونَتعلّم؟