هل أصبحنا نعيش عصر الإنسان المؤقت القابل للاستبدال؟ في جوانب مختلفة من حياتنا تحولنا إلى مجرد أشخاص عاديين أو مجرد أرقام، لم تعد هناك فردانية تميز بعض البشر، ويبدو أنه قانون الحياة الفائق الحداثة، وبالإمكان تتبع مظاهره في أكثر من حقل.
في الماضي كنا أكثر فرادة، وكان هناك بعض البشر الذين يصعب تعويضهم، حيث لا بديل لهم في مجالهم، بداية من المرجعيات في الفكر والثقافة، وليس نهاية بالحرفي الذي كان يمارس حرفة يدوية.
في العديد من الأعمال، باتت العمالة مؤقتة ويتم الاستغناء عنها بسرعة، ولم يعد صاحب العمل يهتم بالاستثمار في عامل يبقى معه لفترات طويلة، وهي ظاهرة نلمحها هنا وهناك، وبعض الوظائف أشبه بـ«التيك أواي»، وحتى في علاقتنا بالعمال والموظفين لم تعد هناك علاقات إنسانية تربطنا بهم كما الماضي، المهم أن تحصل على خدمتك، فلم يعد يهمني مستوى الحرفي ولا أود أن أعرف عنه أي شيء، هو بالنسبة لي أشبه بكائن وظيفي أو آلة، ولا يعنيني إذا تغير كل يوم.
عندما نقارن هذه الصورة بما عهدناه في السابق سيتضح لنا أن البشر الذين نتعامل معهم لا يأخذون في وعينا إلا سمة «المؤقت»، ففي الماضي كان هناك وزن للخبرة وللعلاقات الطويلة الأمد، وربما أتعامل مع موظف أو عامل أقل مهارة من آخر، حيث تربطني بالأول علاقة إنسانية ما، وهي قيم لم تعد موجودة في الراهن.
الصورة لا تختلف كثيراً عن الأنشطة الذهنية، فالمثقف تحوّل إلى مستشار أو خبير يعمل في هذه المؤسسة أو تلك، يؤمن بسياستها، وليس هناك ما يمكنه قوله ونابع من قناعاته الشخصية، وحتى تلك الأخيرة تتغير بسرعة وفقاً لبوصلة المؤسسة التي ينتمي إليها، ولذلك هو قابل للتغيير بدوره، ومن هنا لا توجد مرجعية أو رمز فكري في ثقافتنا الراهنة، هذا أيضاً حدث بدرجة أو أخرى مع الفنان والكاتب والأديب والمطرب الذين أصبحوا يظهرون بسرعة، وباتوا أشبه بالأغنية المصورة «الفيديو كليب»، نشاهدها على عجل ولا تبقى في الذاكرة.
الظاهرة نفسها تسود العلاقات الإنسانية، فما كنا نطلق عليه في الماضي «جار العمر» اختفى، وبدورها توارت صداقة العمر، وتراجعت قصص الحب إلى الوراء كثيراً، وحتى في العلاقات السريعة التي تسود مواقع التواصل تحولنا جميعاً إلى أقنعة، نكذب على بعضنا البعض، فالجميع عابر، وتغير مفهوم السرعة هنا، وبات من الأصح أن نصفها بالعلاقات اللحظية.
وليس الإنسان وحده في الحداثة السائلة التي نعيشها من يمكن وصفه بـ«المؤقت»، بل الأفكار والقيم والأمكنة، وبات من النادر أن تجد أحدهم يكتب لك في عشق المكان كما كنا نقرأ في السابق، فالأمكنة بدورها عابرة، لا تحفر ولا تؤثر في الروح.
في مختلف جوانب هذه الصورة لا رسوخ لإنسان ولا بقاء لقيمة، ولا يمكن لعلاقة أن تثمر، واختفت سرديات كبرى حلقت في الماضي بإنسان يعرف أن وجوده نفسه يرتبط بقوة ثباته في مواجهة خفة العابر المؤلمة.
