ما لم تحدث مفاجآت، فإن الرئيس الأمريكي بارك أوباما في سبيله لتحقيق أحد أكبر إنجازاته السياسية في فترتي رئاسته بتمرير الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس خلال أيام، بات من المؤكد أن أوباما ضمن تأييد 34 عضواً في مجلس الشيوخ، وهذا يعني أنه أصبح لديه العدد الكافي للحيلولة دون حصول الجمهوريين على ثلثي أصوات المجلس لرفض الاتفاق، أي النصاب الدستوري الذي يمنع الرئيس من استخدام حق النقض «الفيتو» لعرقلة أي قانون يصدره المجلس.
من الناحية النظرية انتهت فعلياً المواجهة بين أوباما والمعارضين للاتفاق لصالح الرئيس، بحصوله على ما يريد من أصوات، الطرف الآخر المهزوم هو اللوبي اليهودي المؤيد ل«إسرائيل» خاصة منظمة «إيباك» الشهيرة، والتي قادت الحرب السياسية والإعلامية ضد الاتفاق حتى قبل توقيعه، وأنفقت في سبيل ذلك الملايين، أما أكبر المهزومين في الحقيقة فهو «إسرائيل» التي جعلت من نفسها طرفاً أساسياً في المعركة، وبلغ الأمر برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو أنْ سافر إلى الولايات المتحدة وتحدث أمام الكونجرس من دون دعوة من الرئيس الأمريكي.
ستصبح هذه المواجهة، وبالنتيجة التي انتهت إليها، إحدى المحطات التاريخية المهمة في مسيرة العلاقات الأمريكية - «الإسرائيلية»، لأنها تثبت مرة أخرى وليست أخيرة، أن مصالح البلدين غير متطابقة دائماً، بل تتقاطع وتتصادم في أحيان كثيرة.
وتثبت المعركة أيضاً أن اللوبي اليهودي ليس بتلك القوة الأسطورية التي يتخيلها الكثيرون، وأنه في مواقف محددة لا يمكنه أن يفعل ما يريد أو بالأحرى ما تريده «إسرائيل» رغماً عن الإدارة الأمريكية.
وسيذكر التاريخ واقعة الاتفاق النووي الإيراني باعتبارها واحدة من الأزمات التي عصفت بالعلاقات الحميمة بين البلدين، وكشفت في الوقت نفسه عن تعارض مصالحهما، وستضاف هذه المواجهة إلى مثيلاتها التاريخية مثل إجبار الرئيس الأمريكي الراحل أيزنهاور «إسرائيل» على الانسحاب من سيناء إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وكذلك الأزمة الشهيرة التي اندلعت عام 1991 عندما رفض بوش الأب ضمانات القروض التي طلبتها «إسرائيل» لتمويل الاستيطان في الضفة.
الأهم في الوقت الراهن، من وجهة نظر اللوبي اليهودي، هو الاستعداد لمرحلة ما بعد تمرير الاتفاق في الكونغرس، ولأنهم في الغرب لا يتوقفون كثيراً عن البكاء على اللبن المسكوب، فقد بدأ تحرك الجمهوريين واللوبي اليهودي سريعاً لخوض الجولة الثانية ضد أوباما، بعد أن ربح الجولة الأولى.
ما يتسرب إلى وسائل الإعلام الأمريكية يشير بوضوح إلى أنهم أعدوا ما يطلق عليه «الخطة ب» أي خطة التحرك البديلة في حالة الهزيمة والتي أصبحت شبه مؤكدة.
تتمثل هذه الخطة في حزمة تشريعات سيتم تقديمها إلى الكونغرس هدفها النهائي هو غل يد الإدارة في اتخاذ قرارات منفردة بشأن إيران دون الرجوع إلى المجلس، مع فرض مجموعة من العقوبات الجديدة، ووفقاً لما يتردد، سيطرح الجمهوريون تشريعاتهم المقترحة بالتزامن مع التصويت على الاتفاق الموقع مع إيران، والهدف من اختيار هذا التوقيت هو إحراج الديمقراطيين المؤيدين للاتفاق بالإعلان عن أن لديهم فرصة أخرى لإظهار دعمهم ل«إسرائيل» عوضاً عن موافقتهم على الاتفاق، والتأكيد في الوقت نفسه، على أن موافقتهم لا تعني ثقتهم في إيران، وسيكون إقرار الديمقراطيين لهذه التشريعات طوق نجاة لهم لضمان الحصول على أموال وأصوات اليهود في الانتخابات المقبلة.
ولكن ماذا عن مضمون تلك التشريعات؟ المتداول بصورة غير رسمية في الإعلام يشير إلى السعي لفرض قيود جديدة على إيران، منها الإبقاء على العقوبات الحالية أو فرض عقوبات جديدة عليها، تتعلق بدعم الإرهاب، أو انتهاكاً لحقوق الإنسان، إضافة إلى الأنشطة التسليحية التي لم يتضمنها الاتفاق النووي، وتتضمن المقترحات أيضاً إعادة التفاوض حول بعض بنود الاتفاق النووي، وضمان إلغاء أي عقود تبرمها إيران مع الشركات الدولية إذا أعيدت العقوبات عليها بعد ذلك، وتنص أيضاً على إلزام طهران بتنفيذ البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من الانتشار النووي حتى لو لم يقره برلمانها.
وإجمالاً لن تكون إيران في مأمن من العقوبات حتى لو التزمت بالاتفاق النووي، ليس هذا فقط بل يطالب الجمهوريون بمراقبة إنفاقها للأموال التي ستستردها بعد رفع العقوبات لمعرفة كيفية استخدامها، وما إذا كانت توجهها لأي منظمة تعتبرها واشنطن إرهابية أو لدعم هجمات ضد المصالح الأمريكية أو الحلفاء الإقليميين، وسيتولى منسق خاص تعينه الخارجية مراقبة تنفيذ إيران للاتفاق ومراقبة مجمل سلوكها الخارجي، أما بالنسبة ل«إسرائيل» فتدعو «الخطة ب» إلى تزويدها بنوع متقدم من الذخائر الخارقة للتحصينات، أي منحها القدرات اللازمة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية وقتما تشاء.
لا يتسع المجال لحصر كل ما ينشر عن تشريعات الجمهوريين غير أن المعنى الرئيسي الذي يمكن الخروج به هو أنهم يصرون على تقويض الاتفاق النووي بأي ثمن، وأنهم لم ولن يستسلموا لهزيمتهم المرتقبة في الكونغرس. ويراهنون على أنه إذا كان أوباما قادراً على استمالة الديمقراطيين لصالحه فلن يكون بوسعه التحكم في رد فعل إيران إزاء أي عقوبات مستفزة يفرضها الكونغرس ضدها.
وعندما يفقد الإيرانيون أعصابهم تكون تلك هي الفرصة التي ينتظرها الجمهوريون للإجهاز على الاتفاق، والمؤكد أنهم سيحاولون ذلك بعد أن يرحل أوباما عن البيت الأبيض خلال أشهر قليلة.