إن مشهد اليهود وهم يطلقون النار على الأبرياء الفلسطينيين ليس له اسم آخر غير المذبحة، تساقطت هذه الكلمات من فم ايهود أولمرت خلال اجتماع الوزارة الإسرائيلية يوم الأحد 7/12/،2008 ومما قاله اولمرت في ذلك الاجتماع إنني أخجل من قيام اليهود بهذه الأفعال. نحن أبناء شعب تشكل مزاجه ذكريات المذابح.

كانت اعتداءات المستوطنين اليهود الوحشية في الخليل قد شملت، إلى جانب العنف المسلح، تدنيس المقابر الإسلامية وكتابة عبارات مسيئة على جدران المساجد. وكان مصدر مسؤول في جهاز الأمن الإسرائيلي قد أفضى إلى صحيفة هآرتس في 8/12/،2008 بأن المواجهات الأخيرة التي حدثت بين المستوطنين المتطرفين من اليهود، وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية حول المنزل الذي اغتصبه المستوطنون في الخليل، قد تورط إسرائيل في مواجهة دينية مع المجتمعات الإسلامية حول العالم.

ولتفادي إثارة غضب المسلمين في العالمين العربي والإسلامي، قام موظفون تابعون للإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية بإزالة الشعارات المسيئة للإسلام عن جدران المساجد قبل أن تتمكن القنوات الفضائية العربية من التقاط صور هذه الشعارات وبثها، مما قد يشعل غضباً عارماً ضد إسرائيل كالغضب الذي أشعلته الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، التي نشرت في الدنمارك عامي 2005 و2006. ومن جهته كان وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك قد حذر من أن العنف الذي يقترفه المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية سوف يجلب الأذى لإسرائيل على المستوى الدولي.

يتساءل المرء من أين جاءت هذه الحمية المفاجئة لحكام إسرائيل حتى يعلنوا عن ضيقهم من تصرفات المستوطنين، الذين طالما استخدمت الحكومات الإسرائيلية مواقفهم ومطالبهم لرفع سقف مطالبها وشروطها في المفاوضات بينها وبين الفلسطينيين.

تقول مصادر إسرائيلية إن ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ممن قابلوا في الفترة الأخيرة مسؤولين إسرائيليين دبلوماسيين وعسكريين قد وجهوا نقداً قاسياً لسلوك المستوطنين. وتخشى هذه المصادر في حال إذا ما استمر عدوان المستوطنين أن تقاسي إسرائيل من ضربة قوية لصورتها في أوروبا تضعف من قدرتها على المساومة خلال أي عملية دبلوماسية قادمة بينها وبين الفلسطينيين.

الأمر الآخر الذي جعل حكومة إسرائيل تضيق ذرعاً باعتداءات المستوطنين الوحشية في الضفة الغربية، هو أن تفسد هذه الاعتداءات أجواء التطبيع المتوقع بين إسرائيل ودول عربية وإسلامية في حال توصلت إلى تحقيق تسوية مع الفلسطينيين، ففي الأسابيع الأخيرة زار اهارون ابراموفيتش مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية المغرب لتمهيد الأجواء لزيارة تقوم بها تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى هناك على غرار الزيارة التي سبق لها أن قامت بها إلى قطر.

على كل ليس عبث المستوطنين على وحشيته وشراسته، هو أخطر ما يواجه العرب والفلسطينيين من تحديات، بل إن أوضاع العرب الذاتية وأوضاع الفلسطينيين هي أخطر ما يواجه الطرفين من تحديات، فقد صرح الأميرال غيامباو لو دي باولا أحد قادة حلف شمال الأطلسي ناتو بأن الاعتبارات الدبلوماسية وليست العسكرية هي التي سوف تؤكد فيما إذا كان حلف الناتو سوف ينشر قواته على الحدود السورية- الإسرائيلية، أو في القطاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وعندما سئل دي باولا في بروكسل (3/12/2008) فيما إذا كان حلف الناتو يعد خططاً للطوارئ أو فيما إذا كان لدى الحلف قوات كافية لذلك، وضح دي باولا أن هناك ثلاثة شروط وضعها الجنرال جاب شيفر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي للتقيد بها عندما تقتضي الحاجة لنشر قوات الحلف، وهي: 1) دعوة الأفرقاء و2) اتفاقية دبلوماسية و3) موافقة مجلس الأمن الدولي. وقال أحد مسؤولي الحلف إنه ليس من الصعب توفير قوات من بين ثلاثة ملايين جندي عندما تدعو الحاجة إلى ذلك.

من ناحية أخرى، فإن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد وضعوا الوثيقة الأوروبية للسلام، التي اشتملت على تفاصيل دقيقة لدور الاتحاد الأوروبي في عملية السلام. ومن جانب آخر فقد أثنى توني بلير مبعوث الرباعية على اختيارات الرئيس الأمريكي المنتخب لأعضاء فريقه الأمني، وعبر عن أمله بأن تنطلق إدارة أوباما في الحال لتحقيق تقدم في المحادثات الفلسطينية- الإسرائيلية.

أما نحن، بلا استثناء، ماذا نفعل في هذه المتاهة الدولية، ونحن على هذه الحال من التفتت والضياع؟

إن أيدينا الفارغة تقبض على الريح، وعقولنا الخاوية تلعب فيها الريح، فنحن بالتأكيد خارج اللعبة، فهذا هو دورنا الذي لا نمل من تكراره.