نَقَصَ الكَيْلُ، وعَجِفَت الخيْلُ، وقَل النيْلُ،
فَهْل من رحيم أجْرهُ للّه، فإنهُ لا غنى عن اللّه
(البيهقي - المحاسن والمساوئ)
الرحمة، يا من تسمعون الكلم.
الرحمة بأنفسكم، والرحمة بنا، والرحمة بأوطانكم، والرحمة بأعدائكم، فإن الله هو الرحمن الرحيم، وطوبى لمن تخلّق بأخلاق الله.
هذه كلمات، هي عناوين للواعج فاض بها القلب، حين كان الفقير السعيد يستمع الى حكاية الفهد والقرد الصغير، عصر يوم أمس، قبيل صلاة العصر، بين أناس تقطر كلماتهم رحمة ونبلاً، وبين بعض من يشتمون البشر بمنبهات السيارات، ويعتدون على الحجر بإطارات السيارات أيضاً.
وهو كلام مرسل في بعضه، الى سيدة من هذا الزمان، يكاد لون ملابسها السوداء، أن يُري الوجوه الواضحات الصّباحَ، والصدورَ الرحاب السماح، والمكارمَ الثمينة الرياحَ، أن الرحمة في قبضة يدك اليمنى، أو في كلمة عابرة منك، أو في إصغاء لقائل، أو في صمت أمام ثرثار.
إذن، رحم الله مَنْ رَحم، ومَن سيرحم.
قال الشاب لوالده، وهو يقود سيارته الصغيرة في الطريق الى المستشفى، رأيت الفهد يسير وسط أحراش الغابة، متربصاً، متحفزاً، يكاد يكنفئ على أنفه لشدة حرصه على طريدته التي عرف أنها أقرب إليه من أنفه.
وحين صار على مقربة من مكمن الطريدة - قال الشاب لوالده - انقض الفهد على قرد كان جاثماً وهو يرتعد خوفاً من دنو الأجل، وأمسك برقبته بين فكيه، وصعد به الى أعلى ذرورة في الشجرة المجاورة.
قال الشاب: استسلم القرد لمصيره، فلم يحرك ساكناً، حتى إذا ما انتهى الفهد المتحفز، الفخور بصيده، عند ذروة الشجرة، انفرجت ساقاه، ليسقط على الأرض قرد صغير، يكاد يموت فرقاً.
كانت الطريدة، أنثى، بل أماً.
وإني لأترك لك يا والدي - هكذا أضاف الشاب - أن تقدر أي خوف استولى على القرد الصغير وهو على الأرض. لكن الفهد الجبار أحس بسقوط القرد الصغير من بين ساقي أمه، فلحق به حيث سقط.
توقع الوالد شيئاً مفزعاً، فكتم لوعته.
قال الشاب، يا والدي، وقف الفهد عند القرد الصغير المرتجف خوفاً وفرقاً، وأخذ ينظر إليه، ثم قام بمداعبته بلسانه، حتى هدأ القرد الصغير قليلاً، فأخذه الفهد بين أحضانه، فنام الاثنان.
بعد أسبوع - قال الشاب - كان الفهد يلاعب القرد الصغير في الغابة.
سأل الشاب: يا والدي، ماذا قال الفهد للقرد الصغير؟
سأله والده: يا محمد، أين سمعت هذا الكلام؟
أجاب محمد: بلسان شاب يدعونا الى تذوق لذة الصلاة.
علّق والده: سبحان الرحمن الرحيم.
www.juma-allami.com