أوصلتنا الثورة التقنية والمعلوماتية إلى أسلوب جديد، أخذ يشكل جزءاً من الحياة اليومية لكل واحد منا، وقد ظهرت معه أنواع جديدة من طرق التواصل الاجتماعي لم تكن موجودة أو حتى ما كان الإنسان ليتقبلها، ولكنها اليوم أصبحت جزءاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه للتحدث مع الآخرين والتواصل معهم، مثل: «الواتس أب»، و«الفيس بوك» و«سكايب» و«يوتيوب».
ومع الاتساع المتسارع لظاهرة استخدام هذه التطبيقات من خلال أجهزة الحاسوب اللوحي، والهواتف الذكية الحديثة، وغيرها من التقنيات بين أوساط الناس وخصوصاً الشباب، يمكن القول إن العصر الذي نعيش فيه الآن هو عصر الإنترنت أو العالم الافتراضي البشري الجديد، الذي يشبه الخيال. وهذه التطبيقات والمواقع الإلكترونية كفيلة بضغطة زر أن تنشر وتتناقل المعلومات والأخبار والتعليقات والشائعات والبيانات والصور والفيديوهات بشكل فائق السرعة، ولعدد كبير من الناس، قد يغطي سكان الكرة الأرضية بظرف ساعات معدودة.
هذه الثورة نتج عنها حاجة ملحة لوضع ضوابط لهذه الاستخدامات، وتقنين بعض الأفعال التي تخرج هذه الوسائل عن أغراضها الإيجابية التي وجدت من أجلها. فلا بد من سن القوانين والتشريعات التي تضمن الحفاظ عليها من عبث العابثين وسوء الاستخدام، حيث إن جرائم الإنترنت أصبحت لا تقل خطورة عن بقية الجرائم الأخرى التي تضر المجتمع والأفراد، وبالتالي أصبح التعامل معها يحتاج إلى قوانين وتشريعات حديثة تواكب هذا التطور.
وعليه، فإن هذه المقالة ليست لتحليل الآثار السلبية والمشاكل الاجتماعية والنفسية لمستخدمي الإنترنت، ولمرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما توضح المسؤولية القانونية المفروضة عليهم حسب القوانين الإماراتية.
تاريخياً كانت دولة الإمارات سباقة في معالجة جرائم تقنية المعلومات من خلال إصدار التشريعات والقوانين المتعلقة بهذا الموضوع. حيث أدركت مبكراً الحاجة الملحة لتنظيم استخدام الإنترنت لمرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، والحاجة إلى منع وتجريم صور إساءة استخدامها كافة، إلى جانب مكافحة الجرائم كافة التي قد ترتبط بها.
حيث صدر في عام 2006 القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2006، في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي جعل دولة الإمارات من أوائل الدول في المنطقة في معالجة وتنظيم استخدام الإنترنت بصوره كافة. ومن ثم صدر في عام 2012 القانون الاتحادي رقم (5) لسنة 2012 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، الذي حل محل القانون الاتحادي رقم (2) لسنة 2006 المشار إليه أعلاه. وبعد ذلك جاءت بعض التعديلات المهمة في عام 2016 على القانون رقم (5) لسنة 2012، في شأن جرائم تقنية المعلومات لتواكب كل ما هو جديد ومتطوّر، حيث تضمن التعديل الحديث التجريم لكل شخص يستخدم عنواناً بروتوكولياً وهمياً على الإنترنت.
فما هو هذا القانون وما أهم مواده؟ وما العقوبات التي فرضتها على مرتادي ومستخدمي شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في حالة مخالفة أحكام هذا القانون؟
فمخالفة هذا القانون والاستخدام غير الصحيح وغير المسؤول سواء بقصد أو بغير قصد قد يواجه بتنفيذ العقوبات التي نص عليها القانون. وهنا نوّد أن نسرد بعض الأمثلة على سبيل المثال وليس الحصر، لتتشكل عند المستخدم فكرة عن العقوبات والحالات التي يخالف ويعاقب عليها هذا القانون.
فبموجب هذا القانون على سبيل المثال حسب المادة (2) «يعاقب بالحبس والغرامة التي لا تقل عن مئة ألف درهم، ولا تزيد على ثلاثمئة ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من دخل موقعاً إلكترونياً أو نظام معلومات إلكتروني أو شبكة معلومات، أو وسيلة تقنية معلومات، بدون تصريح أو بتجاوز حدود التصريح، أو بالبقاء فيه بصورة غير مشروعة». وهذا قد ينطبق على أفراد عدة من المجتمع يستخدمون بعض التطبيقات من أجل الدخول لمواقع غير مصرح بها أو مسموح بالدخول إليها، حيث إنهم بذلك يتحدون كل الأنظمة والأطر القانونية التي تجرم ذلك.
أيضاً، يعاقب بالحبس وبالغرامة المالية أو بإحداهما كل من ابتز أو هدد شخصاً آخر لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، وذلك باستخدام شبكة معلوماتية أو وسيلة تقنية معلومات. كما يعاقب كل من سب غيره أو أسند إليه واقعة من شأنها أن تجعله محلاً للعقاب أو الازدراء من قبل الآخرين باستخدام شبكة معلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات. وبما أن دولة الإمارات تحرص على تطوير قوانينها حسب مستجدات العصر، فهي دائماً تقوم بإصدار التشريعات والتعديلات القانونية لتواكب كل ما هو جديد ومتطور، حيث جاءت مؤخراً بتعديلات في غاية الأهمية لهذا القانون في عام 2016 وهو تجريم كل شخص استخدم عنواناً ل «بروتوكولي وهمي» على الإنترنت، حيت إن المقصود من استخدام عنوان البروتوكولي الوهمي على الإنترنت، يشمل إطلاق شخص على ذاته اسماً لا يعود له، وليس بالضرورة أن يعود إلى شخص آخر، واستخدام هذا الاسم لتنفيذ جريمة ما، قد تكون ذماً أو قدحاً أو تشهيراً، أو أي جريمة أخرى يرتكبها ويعاقب عليها القانون. حيث تم تغليظ عقوبة جرائم الإنترنت عام 2016، ضمن تعديل تشريعي أجري على المادة (9) من القانون رقم 5 لسنة 2012، في شأن جرائم تقنية المعلومات، لتراوح بين 500 ألف ومليوني درهم غرامة مالية.
* مستشار قانوني