كذب المنجمون وفشل المحللون السياسيون في قراءة مستقبل أمتنا العربية، يوم كثرت التكهنات والتحليلات ونحن نودع العام المنصرم . ولم يكد العام الجديد يبدأ مشواره حتى أطلق ثوار تونس رصاصة الرحمة على عهد زين العابدين بن علي، ولحق بهم ثوار مصر فأسقطوا الرئيس والنظام، لنفاجأ بالسبحة تكر والرغبة في التغيير تجتاح أكثر من دولة عربية .
الواقع تجاوز حدود الفلك والمنجمين لأنه لا يؤمن بالخيال . واقع الشعوب ملتصق بالأرض وبالتراب، يلتقط أنفاس الناس ويميل على وقع خطاهم ومشاعرهم . هم لم يخططوا للانفجار الكبير الآن، لكن شيئاً ما استفزهم، فتركوا بيوتهم مشرعة للرياح ونزلوا إلى الشوارع يلتقطون أحلامهم بين أيديهم لينثروها في الميادين كي تزهر أمام أعين العالم حقائق لا تموت .
معهم أصبح ليوم الجمعة وقع مختلف وطقوس جديدة فرضتها الثورات المتنقلة بين الدول العربية . البعض أعلن حالة الاستنفار وألغى من قاموسه النزهات والباربكيو، ليتسمر طوال اليوم أمام الشاشة خوفاً من أن يفوته الحدث . ماذا تتابعون؟ الجزيرة أم العربية أم سي إن إن أم فرانس 24 أم بي بي سي أم تكتفون بالقنوات الخاصة ببلد الحدث؟
منذ أن أحرق البوعزيزي نفسه والأحداث تسير على خط واحد من دون أن تتشابك، وكان من السهل أن نقفز بالريموت كونترول من محطة إلى أخرى كي لا يفوتنا أي تفصيل مهم . لكن يوم الجمعة الماضي، الذي لم نعرف له اسماً واحداً بين جمعة الزحف وجمعة الغضب وجمعة الحصار وجمعة التطهير وغيرها، تفجرت براكين الشعوب في ليبيا وتونس ومصر والبحرين والأردن والعراق واليمن وموريتانيا . . وكأن العالم العربي يعلن العصيان على واقعه .
المشهد ليس مألوفاً ولن يتكرر ولم يتوقع أحد أن تمتد أي ثورة لتشمل 8 دول عربية في آن، وكأن الكرة الأرضية مقسومة، جزء منها ساكن مذهول يتفرج على الجزء الملتهب . المتظاهرون في الشوارع يهتفون بلسان واحد وصوت واحد رغم اختلاف اللهجات، واختلاف درجة المعاناة وطبيعة العيش وطرق التعامل مع المتظاهرين، واختلاف الحكام أيضاً . حتى الشاشة ضاقت بالأحداث فحاولت أن تتسع لتحتضن في مشهد واحد كل الأطراف، فإذا بها تفتح نوافذ على 4 و5 و6 دول كي لا يفوتها ما يجري هنا وهناك .
وبين هذه المشاهد النابضة بالحرية، انشطر قلبنا على ليبيا، حيث هان الشعب على قائده الذي قرر أن يضحي به من أجل أن يبقى هو على عرشه الأبدي . من الطبيعي أن نتعاطف مع من تسفك دماؤه ثمناً لكرامته، وأن نساند شعباً أراد الحرية وقرر أن ينتفض على الظلم مهما كان الثمن . المشهد الليبي محزن حيث الفرق الشاسع بين كبرياء الشعب وغطرسة القائد الذي يصور المشهد معكوساً فيقول أنا المجد والكرامة بينما يخاطب شعبه باحتقار من أنتم؟ جراثيم، جرذان، مهلوسون . .؟ حمى الله الشعب الليبي .