A LA CARTE تعبير فرنسي كان يستخدم أصلاً في المطاعم، ويعني إعطاء الزبائن لائحة تتضمن أنواعاً لا متناهية من الخيارات مع سعر مثبت على كل منها. وما على الزبون سوى اختيار ما يشتهي بالسعر الذي يراه مناسباً.
في وقت لاحق، انتقل هذا التعبير إلى عالمي السياسة والحرب، وبات يعني الانتهازية والعنجهية في الأول، والانتقائية وخوض الحروب الاختيار لا الضرورة في الثاني.
هذا المفهوم كان مدار نقاشات مستفيضة مؤخراً في وزارة الدفاع الأمريكية، ليس لأن الجنرالات والمخططين الاستراتيجيين يقبلونه أو يرفضونه من منطلقات أخلاقية أو مبدئية، بل لأنهم انقسموا على أنفسهم حول مدى جدواه بالنسبة للمصالح العليا الأمريكية، القومية منها والعسكرية.
في جانب، وقف الجنرال ديفيد بيترايوس مدعوماً من الرئيس بوش ونائبه تشيني ووزير الدفاع جيتس، ليشدد على أنه لا يمكن لامريكا في هذه المرحلة اختيار الحروب التي تشتهي. فهذه الأخيرة مستعرة أصلاً في العراق، ومتصاعدة في أفغانستان، وستمتد قريباً إلى باكستان وربما أيضاً إلى لبنان وإيران. وبالتالي، ليس أمامها (أمريكا) سوى مواصلة هذه الحروب حتى خواتيمها النهائية، في إطار الحرب العالمية ضد ما تسميه الإرهاب.
في المقلب الثاني، برز اسم الجنرال ريتشارد كودي، نائب رئيس أركان الجيوش الأمريكية كممثل للقادة والمخططين العسكريين الداعين إلى العودة إلى مفهوم A LA CARTE لماذا؟ لأن حروب العراق وأفغانستان، برأيه، تقلص إلى حد كبير من فرص الخيارات أمام المؤسسة العسكرية وتمنعها من أمرين اثنين: الأول، التركيز على شن الحروب في جبهات أخرى في آسيا - المحيط الهاديء حيث توجد الصين التي ستشكل عما قريب التهديد الأول للزعامة الأمريكية في العالم. والثاني، أن حروب الشرق الأوسط ستحجب عن معظم أفرع القوات المسلحة الميزانيات لتمويل التكنولوجيات العسكرية الجديدة.
من انتصر في هذا الجدل؟
الفريق الأول: وهذا تجسّد في قرار تعيين الجنرال بيترايوس قائداً أعلى للقيادة المركزية الأمريكية التي تشمل صلاحياتها كل الشرق الأوسط الكبير وأجزاء واسعة من افريقيا، بعد ان كان قائداً للقوات في العراق. هذا التعيين، كما لاحظ جيم هوغلاند، المعلق الأمريكي في واشنطن بوست، يعني انتصار وجهة النظر الداعية إلى مواصلة التصدي لحروب العصابات في الشرق الأوسط على الرأي المطالب بالعودة إلى مروحة الخيارات الأشمل للحروب.
الترجمة العملية لهذا التطور ستتمثل في تصاعد ألسنة اللهب أكثر على جبهات العراق وأفغانستان وباكستان، وربما ستمتد هذه الألسنة (كما أشرنا) إلى مناطق أخرى مثل لبنان وإيران. وهذا سيحدث حتى ولو انتخب باراك اوماما رئيساً، لأن الإدارة الأمريكية المقبلة ستكون ملزمة بالاستراتيجية والترتيبات التنظيمية العسكرية التي وضعتها الإدارة الحالية، على الأقل طيلة السنة الاولى من وصولها إلى البيت الأبيض.
ثم: سيكون هناك أيضاً ترجمة أخرى: إدخال تطويرات مهمة على مفهوم A LA CARTE: تبدأ من كون حروبه حروب اختيار، وتنتهي بتحويلها إلى حروب ضرورة. وهذا بالتحديد ما يقوله الآن فريق بوش- بيترايوس حيال حرب العراق التي كانت في البداية غير ضرورية، لكنها أصبحت كذلك الآن، لأن الانسحاب منها سيعني انتصار الإرهاب في الحرب العالمية الراهنة وهزيمة الزعامة الأمريكية في العالم.
تكتيك ذكي؟ أجل، للغاية. لكنه دموي للغاية أيضاً!