حفلة “موسكوفيّة”

أفق آخر
02:13 صباحا
قراءة دقيقتين

هل ستنجح موسكو فيما أخفقت فيه مدريد ونيويورك وأخيراً أنابوليس؟ أم أن المؤتمر الموعود هو تعبير موسكوفيّ عن يقظة الدب بعد سبات دام قرابة العقدين من الزمن؟

إن العناصر بل الأقانيم الأساسية التي يجب أن يتوفر عليها أي مؤتمر دولي أو حتى اقليمي للسلام هي الرغبة الحقيقية في تحقيقه أولاً وعدم توظيف المراوغات والتسويف لشراء الوقت، والمشاركة الشعبية الحقيقية في كل ذلك، وهذا ما لم يتوفر بعد لكل فعاليات السلام في الشرق الأوسط.

لأن الطرف المعتدي والذي يسعى إلى تحويل العدوان والتمدد إلى استحقاق يراوغ ويحاول بالفعل كسب الوقت لمصلحته، ولأن المعادلة الدولية لا تزال عرجاء رغم محاولات الترميم التي تبذلها موسكو، ومفهوم الرعاية لا يزال أيضاً في ذروة الالتباس، لأن واشنطن لم تفوت فرصة واحدة للإعلان عن انحيازها غير المشروط للدولة العبرية.

أما المشاركة الشعبية في إنجاز سلام قابل للديمومة، فهي مجرد بحث بلا طائل عن شرعيات ملفقة، لا تقنع حتى تل أبيب بأنها قادرة على تقديم ضمانات تطبيعية في المستقبل المنظور.

وقد أصبح من المألوف بالنسبة للعالم بأسره أن الدولة العبرية تمحو بجرة جرافة أو دبابة كل ما تقوله في أعقاب اللقاءات البروتوكولية التي يتبادل فيها المؤتمرون أنخاب السلام بينما الدم يجري في مدن فلسطين وقراها، والحصار يتواصل.

مئات المستوطنات من مختلف المساحات والحجوم تشيد يومياً، مما يفقد ساسة تل أبيب وجنرالاتها الحدّ الأدنى المطلوب من الصدقية السياسية، وعلينا لكي نتفاءل بما يبثه الناطقون الرسميون باسم الأطراف المتفاوضة أن نقلع احدى العينين كي لا نرى الجانب الآخر من المشهد، وهو الجانب الأشد إظلاماً.

إن الجنرال باراك الذي يعد حملة عسكرية واسعة تخلط كل الأوراق، قال عشية عودته إلى تل أبيب بعد إحدى الحلقات الكوميدية من مفاوضات واشنطن، إن خلع ذراعه من الكتف أهون عليه من خلع مسمار في مستوطنة.

لكن من اكتشفوا من العرب المستعربة أنهم من احتياطيي حزب العمل قدموا لنا باراك عازف بيانو، ورجل سلام، وأوشكنا أن نصدق لولا أن الجنرال نفسه تولى تكذيب المتطوعين في حملته الانتخابية، ولا نظن أن لدى الفلسطينيين الآن فائضاً من الوقت والدماء بحيث يواصلون حضور هذه الحفلات التنكرية، ومن حقهم أن يكذبوا الرعاة كلهم قبل أن تفنى الغنم.

إنها حرب من أجل الوقت أيضاً، والخاسر فيها على الدوام هو المحاصر، النازف من خاصرتيه على مدار الساعة.

ولم يعد أي عربي بحاجة إلى عبقرية يجترح بها اكتشافاً يتلخص في أن الدولة العبرية لا تريد السلام لأنها لا تعيش به، بل تتغذى من توتير المنطقة، وترهيب اليهود من العرب لأنهم يريدون حذفهم من العالم.

ولو تطوعت عواصم العالم كلها شرقاً وغرباً لاستضافة مؤتمرات سلام من هذا الطراز فإن الحصيلة هي ذاتها، تبديد للمزيد من الدم والوقت، وعبثاً ينتظر الفلاحون العرب العسل من الذباب.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"