د. خليل حسين*
تشكل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى روسيا التي جرت يوم الثلاثاء الماضي، واجتماعه مع الرئيس فلاديمير بوتين، إعادة للتموضع السياسي والميداني بعد العدوان على شمالي سوريا، وبخاصة أن تداعيات العملية كان لها الأثر غير المتوقع تركياً لجهة الحجم والنوع إقليمياً ودولياً. فهل ستتمكن موسكو عملياً من لعب دور ما في الاتجاه التركي؟ وما قدرات التوفيق بين مصالح اللاعبين الآخرين؟
في المبدأ تلقفت موسكو الانسحاب الأمريكي من سوريا باعتباره ورقة تعيد خلط الأوراق والتوازنات، أقله في الأزمة السورية، فضلاً عن تداعياته الإقليمية في غير ملف، وعلى الرغم من أن هذا الانسحاب شكّل صفارة الانطلاق التركي تجاه الداخل السوري، إلا أنه شكل أيضاً مناسبة قوية للعب سياسة ملء الفراغ الذي تنتظره كل من دمشق وأنقرة وبمراقبة روسية لرسم حدود وقواعد الاشتباك والاستثمار السياسي والميداني اللاحق، إذ بدت موسكو حتى الآن هي الرابح الأكبر باعتبارها الممسك في العديد من أوراق الأزمة السورية والقادرة على التأثير في اللاعبين الأساسيين والثانويين فيها.
وعلى هذا الأساس تأتي زيارة الرئيس التركي إلى روسيا، والتي تمت بناء على طلبه بمنزلة محاولة لامتصاص الضغوط الدولية وتداعياتها، ولا سيما أن الموقف الأمريكي كان حاداً جداً، وقد توّجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برسالة إلى أردوغان غير دبلوماسية، فيها الكثير من العبارات غير اللائقة في التعامل الدولي، فضلاً عن الغضب الأمريكي من إسقاط مشروع إدانة تركيا، ودعوتها إلى الانسحاب من شمالي سوريا في مجلس الأمن، وذلك بموقف ثنائي مشترك روسي صيني في مجلس الأمن.
وفي الواقع، لا تعتبر المحاولة التركية سابقة في هذا المجال، فقد أدى التوتر بين أنقرة وواشنطن بعد محاولة الانقلاب العام الماضي مناسبة قوية للبعاد والفراق بين البلدين، والذي استكمله كل منهما بسياسات وإجراءات قاسية، من بينها العقوبات الأمريكية على أنقرة وأثرها في تدهور العملة التركية فضلاُ عن إلغاء العديد من صفقات الأسلحة التي ردت عليها أنقرة بشراء منظومة «أس 400» الروسية المتطورة المضادة للصواريخ، فضلاً عن الاتفاقات العسكرية والاقتصادية والتجارية مع موسكو.
لكن على الرغم من كل ذلك التقارب الروسي - التركي غير المسبوق، فإن حدود المساعدة الروسية من الصعب أن تكون متكاملة وفقاً للرغبة التركية على الرغم من قدرتها الفعلية على ذلك، فهي تمسك العصا من النصف، وتحاول موازنة المصالح التكتيكية وبعض الاستراتيجية لدى الأطراف الآخرين، ولا سيما أن مطالب أنقرة في هذه الزيارة ذات الدلالات، سيتعدى تداعيات العدوان في شرق الفرات، ليشمل غربه وبالتحديد على سبيل المثال ملف إدلب التي تمسك في الكثير من مفاصله عملياً، حيث تتواجد هناك منظمات مسلحة تابعة لأنقرة، إضافة إلى «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة) التي لا تبتعد كثيراً عن أنقرة التي توفر لها الدعم والغطاء.
ثمة من يقول إن هناك الكثير من الوقائع قد تذهب بتركيا إلى خريف سياسي وميداني آت في الأزمة السورية، وبخاصة بعد مجريات العملية العسكرية الأخيرة ووصول الجيش السوري إلى الحدود الدولية مع تركيا في بعض المناطق شمال شرق سوريا، فضلاً عن إعادة تموضع «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) بضغط روسي في الحضن السوري، وهو ما يشعر أنقرة بحرج عملي لجهة عدم قدرتها على قراءة الصورة بشكل دقيق وطبيعة نهاياتها المفترضة تركياً.
ولذا فإن المطالب التركية المرتفعة السقف في روسيا تتعامل معها هذه الأخيرة بنوع من الحذر الشديد، ولا سيما أن مجمل الدور الروسي يتكئ على جملة قواعد لا تتقاطع مع القراءة التركية كمنصة جنيف وآستانة، ومؤخراً اللجنة الدستورية وغيرها من البيئات السياسية والدبلوماسية المطروحة.
ثمة معادلة تركية ليست بالضرورة مرغوبة أو معلنة، مفادها أن كل ابتعاد عن واشنطن سيقابله تقرّب إلى موسكو، وهو أمر ليس بالضرورة رغبة تركية بقدر ما هو تمنٍّ روسي، وعلى الرغم من ذلك فإن موسكو قادرة على رسم محدداتها السياسية وحجم تقديماتها للرئيس التركي أردوغان في ظروف إقليمية ودولية محرجة جداً بالنسبة إليه.
في المحصلة إن علاقة البلدين وطبيعة الزيارات الرئاسية المنقذة محكومة بعوامل وضوابط مؤثرة في حجم التجاوب الروسي للمطالب التركية، وبخاصة بعد العدوان الأخير الذي يصعب تغطيته روسياً ودولياً بأكلاف عادية.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية