ما أكثر ما يوضع الناس أمام فكرة الخيارين اللذين لا ثالث لهما، حين يُقال إن أحلاهما مُر . في الظاهر تبدو فكرة: إما هذا الخيار أو ذاك، قائمة على التعدد، وعلى منح أكثر من خيار، لكنها في الحقيقة نفي للتعددية ومسخ لها .

أن يعرف الإنسان أنه أمام خيار واحد لا سواه خيرٌ من أن يكون أمام خيارين هما في الجوهر خيار واحد، لأن فكرة الخيارين تزييف لفكرة الديمقراطية والتعددية وتضييق لأفق الإنسان ونفي لطيف الألوان الذي تتشكل منه الحياة .

حياتنا العربية الراهنة في أبعادها الأساسية، في السياسة كما في الثقافة، كما في أمور أخرى مهمة كثيرة، مبنية على هذه الثنائية الفقيرة والمحدودة التي تؤدي لسيادة أحادية قاتلة قادتنا إلى الخراب الذي نحن فيه .

في السياسة يقول السياسي العربي، إما أن نقبل بما هو مفروض علينا وإما سنخسر كل شيء . وفي مكانٍ آخر قد يقول نظيره إما أن تقبلوا بما أقول، وإلا فإن الطوفان في الانتظار، وعلى هذا قس الكثير حين يوضع المواطنون العرب أمام خيار قبول السيئ لأن البديل الذي يصورونه له هو الأسوأ، لأن القائمين على هؤلاء المواطنين يستكثرون عليهم أن يوضعوا أمام عدة خيارات، على طيف من الألوان ليختاروا الأنسب لهم .

وحكاية إما . . وإما لا تقف عند هذه الحدود، إنها تطال جوانب أخرى كثيرة في الحياة . إن المرء مطالب بأن يكون شمولياً في كل شيء، إما أن يقبل ويوافق في المطلق، وإما أن يصنف بأنه خصم أو غريم أو حتى عدو .

المواطن العربي لا يستطيع أن يقول إنني موافق على بعض الأمور أو السياسات، ولكن بعضها الآخر لا يروق لي، لذا فإني إذ أؤيد الأولى أعارض الأخيرة، فمثل هذا القول غير مسموح به . كذلك فإما أن تكون موافقاً على كل شيء، وإلا فإنك لست مواطناً صالحاً .

وفي مجال الثقافة والفكر لا يبدو المثقفون بأحسن حال من السياسيين . قليلون هم المثقفون الذين يتحملون رأياً آخر، أنت مطالب بأن تكون مريداً وتابعاً، لا محاوراً ومجادلاً من موقع الاتفاق والاختلاف في الآن ذاته .

إما . . وإما إحدى عللنا العربية المعششة في الأدمغة وفي الأجهزة، ولن تقوم لنا قائمة فيما لو ظللنا أسرى هذا الوباء .

[email protected]