تضع المغنية الخلاسية ذراع الكمنجة على ذراعها، وتمرّر قصبة الأوتار على الوجه الخشبي اللامع ذي الرائحة القريبة من جوز الهند . تعزف، ويقترب رأسها من الأوتار . قلبها يعزف أيضاً، وتتحول في لحظة موسيقية خضراء إلى امرأة ريفية بالكامل، يداها جناحان يحوّلان الصوت المنبعث من الكمنجة إلى وطن، هو وطنها، الوطن الذي اسمه الموسيقا .
تسكن المرأة في قلب الكمنجة .
تلك هي بلادها، الموسيقا بلادها، والرجل الذي يصغي إلى الإيقاع الأخضر يسكن في مكان آخر، يسكن في عزلته وحنينه، حنين لا ينقطع أبداً مثل خيط الماء الذي يبكي من شدة البرد، رجل لا يعرف كيف يكتب القصيدة، رجل نسي تاريخه في الشعر، خدعته طفولته عندما أخذته إلى الشعر، طيلة عمره في الحنين . هو أيضاً يمرر سن القلم بالحبر الأسود على الورقة البيضاء، ويرى أن كل كلمة هي يوم من عمره .
المرأة تتحول إلى الشرفة .
تشرب قهوتها بهدوء، وحيدة تماماً، جميلة تماماً، وتنتظر القصيدة التي لم تُكتب بعد .
هو أيضاً يشرب حنينه وحيداً . . وبهدوءْ .
المرأة تنهي الرشفة الأخيرة من فنجان قهوتها وتذهب إلى النوم، هناك في النوم تحلم أنها تحلم، كانت في طفولتها قرأت قصيدة مكتوبة على جذع شجرة من سطرين:
شجر العزلةِ أبيضْ
سبب كافٍ لكي أضحكَ وحدي ثم أَمرَضْ
الضحك أيضاً طريق آخر إلى الحنين . هي تضم الكمنجة إلى صدرها ويغمرها حنين إلى طفولتها الخضراء .
ما قصة هذا اللون الأخضر؟
الحنين أخضر
الموسيقا خضراء، والعطر أخضر .
لا أحد يسكن في اللون، نحن نسكن في الألوان، أنت أبيض، وأنا خلاسي، وهي سوداء، امرأة خلاسية أو سوداء، كالقمح كالدموع، بلون القهوة أو بلون الشمس، لا فرق، مادام هناك حياة .
شدّي الكمنجة أكثر إلى صدرك وقلبك، خذي الشعر كلّه على البحر البسيط، وقومي من حلمك، قومي من حنينك، وقولي صباح الخير أيها البحر .
الرجل هو الآخر يتحول إلى النوم، ويحلم أنه يحلم، مغطّى تماماً بالحنين، مغطّى تماماً بدموع خضراء .