كلُّ وعاء يضيق بما جُعِلَ فيه، إلا وعاء العِلم فإنه يتسع به

(علي، رضي الله عنه)

الراسخون في العلم هم الراسخون في الصداقة والألفة والمحبة، مثلما هم راسخون في الأدب والكمالات.

والطارئون على العلم، طارئون على كل شيء، حتى على ذؤابات سراويلهم. وهؤلاء يصدق فيهم قول أمير الشعراء في العصر الحديث:

تركُ النفوس بلا علم ولا أدب

ترك المريض بلا طب ولا آس

هؤلاء بيوت لا عمد لها. تنظر الى الواحد منهم، فيكفيك كلمة منه لتكتشف أن الحمق وليد الجهل، أو أنه نتاج عملية زنى بين الجهل والادّعاء.

هؤلاء يتعالمون.

وآفة المشاهد الثقافية العربية المتعالمون، لأنهم الجهل بعينه، والحمق بحذافيره، والعمى كما لم يصوره مصور. فهم سحاب من دون مطر، وإن بدوا مطراً، فهم وِدْق.

فأين هؤلاء من أشياخنا؟ ورحم الله الزبير بن أبي بكر، فهو القائل:

العلم يرفع بيتاً لا عماد له

والجهل يهدم بيت العز والشرف

فكيف وضع من هو مسؤول على نفسه، أو على عائلته، أو بين رهطه، إذا كان من دون علم؟ قال أحد البريطانيين في رأي سديد: أمير بلا علم، كربّان سفينة بلا عين.

ما أشقانا بهؤلاء في السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون.

وما أشقانا بهم في الحياة.

غير أن هؤلاء، أو من يمثلهم في حياتنا العربية، يعيبون على علماء الأدب، وأدباء العلم، أنهم فقراء، وأهل خصاصة. وهم لم يعرفوا أن الفقر هو الحاسة السادسة: ولم يدركوا أن أهم مزية في الفقر أنه يحميك من كثرة الأصدقاء المدعين.

يقول الفرنسيون: ليس الفقير من ملك القليل، بل من طلب الكثير.

وهذا ابن المبارك، رحمه الله، حجة الفقراء على هؤلاء الذين لا يعرفون ثروة الأدباء والعلماء وأرباب الحديث. قيل له وكان لا يجالس إلا كتبه: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا أجالس الله والأنبياء والفلاسفة والعلماء؟ أفترون أن أدَعَ مجالسة هؤلاء وأجالسكم؟

هؤلاء هم الراسخون في العلم والأدب والصداقة والألفة والكمالات. وهؤلاء هم كلمات الكتاب، وهم بياضه أيضاً. وشتان بين تنويعي فرادات البياض بين الكلمات والسطور، وبين من تعرفه حق المعرفة، إذا ما قرأ جملة اسمية، تتحول بلسانه الى جملة يصبح فيها المجرور مرفوعاً، والحال مجروراً، والفاعل مفعولاً به.

أنست في الأيام الأربعة عشر المنصرمة الى شخصيات عدة، بينها شكسبير القائل: الكلمات بلا أفكار، قلّما ترتفع الى فوق.

[email protected]

www.juma-allami.com