لم تكن جولة المفاوضات الثانية اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، جلسة عادية، إنما ما ميزها هو حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً، وهي جولة مفاوضات غير معتادة لا شكلاً ولا مضموناً، إذ إن حضور رئيس دولة تلعب دور الوسيط، يعتبر أيضاً سابقة وتدل على اهتمام شديد بها، وكأنها أيضاً تؤسس لمرحلة أخرى ذات مسار مختلف، الهدف منه الانتقال إلى مستوى أرفع في التمثيل، وتحقيق خرق نوعي على مستوى الحضور، تمهيداً للانطلاق بطروحات نوعية تنفيذية يُبنى عليها بصرف النظر عن القبول أو الرفض من الطرفين المعنيين أساساً اللبناني والإسرائيلي.
وفي واقع الأمر، تعتبر الجولة الثانية من المفاوضات، حدثاً غير عادي، إن لجهة الحضور أو الموضوعات المطروحة، وحتى لإبراز الانطلاق بشكل واضح فصل الوضع اللبناني عن الوضع الإقليمي وتحديداً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وصولاً إلى تفاهمات متصلة لاحقاً بترتيب معاهدات سلام إقليمية قاعدتها شرق أوسطية ممتدة إلى جغرافيا سياسية على تماس مع جغرافية المنطقة.
إن أبرز النقاط التي طرحت في المفاوضات، كانت متباينة، فمثلاً لبنان اهتم أولاً بتمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهو أمر حصل عليه كهدية لإبراز محاسن حضور الجولة الثانية، لكنه واقعاً يعتبر تمديداً لهدنة هشة قابلة للانفجار مع أي حدث يقرر طرف ما أنه يستحق الخروج منه، والأمور الأخرى كمبدأ الانسحاب الكامل من الأراضي التي تحتلها إسرائيل والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وإعادة الإعمار، في مقابل الطلبات الإسرائيلية لجهة نزع سلاح «حزب الله»، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، والأمر الأهم هو اعتراف لبنان بإسرائيل وصولاً إلى معاهدة سلام تنظم العلاقات المستقبلية.
طبعاً، إن هذه المطالب ليست مطالب عادية بالمفهوم الدبلوماسي وإنما تشكل في قراءة الطرفين اللبناني والإسرائيلي قراءات ذات سقوف عالية وتتطلب المزيد من الوقت للوصول إلى تفاهمات مقبولة يمكن البناء عليها، سيما وأن تجارب المفاوضات السابقة وأبرزها في عام 1983 التي أنتجت اتفاق 17 مايو/ أيار الذي أُلغي بعد أقل من سنة، ومفاوضات مؤتمر مدريد 1991 وتفاهمات 1993 و1996 و2006 التي أنجزت القرار 1701، ومن بعدها مفاوضات الحدود البحرية التي أنجزت بوساطة أمريكية بتاريخ 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ومن بعدها مفاوضات لجنة الميكانيزيم 2024، إضافة إلى مفاوضات الهدنة مارس/ آذار 1949.
إن تصريح الرئيس الأمريكي خلال الجولة الثانية في البيت الأبيض المتعلق بالقانون اللبناني 1952 المتصل بمعاقبة الاتصال بإسرائيل ومطالبته بإلغائه، يشكل نقطة تحول، سيما وهو أمر يتطلب إلغاءه بقانون عبر مجلس النواب اللبناني، الذي سيزيد الشرخ بين مختلف الفئات اللبنانية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إشعال حرب أهلية كما يتردد حالياً.
وأمر آخر لا يقل حساسية وأهمية، هو التصريح بمحاولة إنجاز لقاء يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض لاحقاً، وهو أمر طرح في معرض التحضير للجولة الأولى ولو عبر لقاء هاتفي يجمعهما بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركيو روبيو، وهو اللقاء الذي لم يتم بسبب رفض الرئيس اللبناني.
في المحصلة، يعج جدول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بموضوعات حساسة جداً تتطلب دراية كبيرة بالواقع اللبناني وواقع المنطقة التي تقف على حافة هاوية تغلي بقضايا عمرها من عمر هذه الكيانات، وهي تقف حالياً على مشاريع خطرة ذات صلة بجغرافية سياسية ممتدة إلى معظم الكيانات السياسية القائمة حالياً، ويتطلب التعاطي معها أيضاً بدقة فائقة، إذ بينها وبين التفتيت خطوات قليلة.
وبالتالي إن أي موقف غير دقيق ومتزن يمكن أن يأخذ الأمور إلى مسارات لا تحسن عقباها، في وقت لا أحد من الأطراف الأساسية المعنية أو الأطراف المتدخلة لها القدرة على التحكم الدقيق بمسارات المفاوضات ونتائجها، وهنا ربما الطرف الأضعف في ذلك، هو الطرف اللبناني الذي يحتاج للكثير لإعادة تكوينه والحفاظ على وجوده في مفاوضات ليست سهلة وتكتنز في طياتها الكثير من التعثر.
