الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مسرح الحياة الواقعية

5 مايو 2026 00:57 صباحًا | آخر تحديث: 5 مايو 00:58 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين أبدع اليونانيون فنَّ المسرح، رأوا أن الحياة ليست سوى تراجيديا وكوميديا. وفي ضوء هذه الرؤية قسّموا المسرح، بوصفه تعبيراً عن الحياة، إلى مسرح كوميدي هدفه الإضحاك وبعث السرور في النفس، ومسرح تراجيدي تنتهي فيه المأساة بموت البطل.
لكن الحياة، بوصفها مسرحاً واقعياً، أغنى بكثير من المسرح الذي أبدعه اليونان. ففي الحياة، إلى جانب ما يُضحك من فكاهة وما يُحزن من مأساة، تظهر الماهيات، بوصفها مفاهيم مجردة للحياة، بكل تعبيراتها الواقعية في مسرح الحياة عبر الذوات: الذوات الخيّرة والذوات الشريرة، الذوات الحرة والذوات المقيدة، الذوات المحبة والذوات الكارهة، الذوات المتمردة والذوات الخانعة، الذوات الشرهة والذوات الزاهدة، الذوات الموهوبة والذوات العادية، الذوات الأيديولوجية والذوات المعرفية، الذوات المتشائمة والذوات المتفائلة، الذوات المبالِية والذوات اللامبالية، الذوات الجديّة والذوات العبثية، الذوات الخائفة والذوات الشجاعة، الذوات الكاذبة والذوات الصادقة، الذوات الذكية والذوات الغبية، الذوات الحاكمة والذوات المحكومة، الذوات القطيعية والذوات الفردية، الذوات الوفية والذوات الخائنة، الذوات المغتربة والذوات الراضية، الذوات المؤدبة والذوات الوقحة.
دعونا نتناول مسرح الوقاحة في الواقع المعيش، حيث لا يقوم بطلٌ بمهمة الإضحاك، ولا آخر بمهمة الإبكاء، بل ينتج القرف والتقزز من وجود أبطال الوقاحة في الحياة.
الوقاحة هي إنكار الحقيقة الواضحة والمتميزة بذاتها، وإخفاؤها بخطاب زائف. وأشد الجهات وقاحةً تلك التي تمتلك قوة غاشمة لتبرير سلوكها العنفي الشرير، وتلك التي تُظهر عكس ما تُبطن.
وأسوأ أنواع الوقاحة: الوقاحة اللاوطنية، واللاإنسانية، واللاأخلاقية، واللاعلمية.
فعندما يكون الوطن في خطر بسبب عدوان خارجي مقصده النيل من حياة مواطنيه وسعادتهم، وتقف جماعة يُفترض انتماؤها إلى الرابطة القومية موقف التصفيق للمعتدي، أو الصمت أمامه، فهذه وقاحة من أعلى درجات الوقاحة.
تأمّل معي، أيها القارئ، وقاحة إنكار صحة البديهي والواضح والمتميز، وتكذيب الوقائع. وكمثال على ذلك: طرفان اختلفا على ملكية مياه أو أرض، ثم اتفقا على تقاسم ما اختلفا عليه، ووقّع كل طرف على عقد تراضٍ يقول: أعترف لك بملكيتك لهذا الجزء، وتعترف لي بملكيتي للجزء الآخر. ثم يعلن أحد الطرفين أن هذا الاعتراف ليس اعترافاً.
هل هناك في اللغة مفهوم بديل عن مفهوم الاعتراف؟ إن الوقاحة هنا مؤسسة على التناقض بين الخطاب والممارسة الواقعية. وهذا التناقض ليس سوى ثمرة الخوف من الحقيقة الواقعية، ومحاولة يائسة لخداع الآخر. وعمر الخداع، مهما طال، لا بد أن ينكشف.
وأكثر الخطابات وقاحة هي خطابات التبرّج بالشعارات الأثيرة لدى الناس، بما تتضمنه من ادّعاء الانتماء إلى الحق، في الوقت الذي تتناقض فيه مع السلوك الواقعي. وهذه الوقاحة اعتداء على وجدان الناس من جهة، وعلى الحقيقة من جهة ثانية.
وهناك وقاحة الجهل المرتبطة بنفي حقائق العلم دفاعاً عن تصورات الوهم، وبخاصة نفي تلك الحقائق المتعلقة بجسد الإنسان وأمراضه. نحن لا نتحدث هنا عن وعي الناس البسطاء الذين ورثوا الأوهام، بل عن أولئك الذين توافرت لديهم معرفة علمية جامعية من جهة، ولأسباب خاصة بهم ينكرون الحقيقة العلمية والعلاقات السببية الواقعية المسؤولة عن المرض من جهة أخرى. وإذا كنا، في خطاب التبرج الشعاراتي، أمام اعتداء على وجدان الناس، فإننا هنا أمام اعتداء على حياة الإنسان بكليتها.
وهناك من يعتقد أن الوقاحة شجاعة، من دون تمييز بينهما. والحق أن الشجاعة هي الوقوف إلى جانب الحقيقة الساطعة، الواقعية والمنطقية، من دون مواربة، والدفاع عنها دفاعاً عملياً وقولياً، دون إغفال نسبيتها التاريخية التي قد يغنيها الواقع بالمجهول.
أجل، الوقاحة اعتداء على الحقيقة بصفاتها الآنفة الذكر، بدافع الحقد والتزلف والأنانية. ولعمري، إن البنية التي تجعل من الإنسان مركز اهتمامها، من حيث أمنه وسعادته، هي البنية التي تجعل الشجاعة صورة حضور الإنسان.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه