السر في يده . يمدها فيطويني تحت جناحه، أستريح في حضنه . هنا أشعر بأمان كبير لا يشوبه أي قلق أو خوف . وجهه أصبح تعويذة الخير التي لا تفارقني .

بيده يسكن الخير، وفي كل ما يعمل أرى نجاحاً . لست أدري لماذا أراه يكبر قدراً وقيمة، ولا أشعر بأن العمر يتقدم به؟ قد يكون رفضاً في داخلي لفكرة العجز التي قد يصل إليها يوماً ما، أو لأن أراه يقترب من حدود النهاية .

في يد أبي كل الحنان، وهذا الإحساس يتدفق فيّ منذ طفولتي، رغم ما يظهره من قسوة وخشونة . تلك الصلابة تبدو لي اليوم وكأنها سلاح الآباء الذي يصدون به ضعفهم أمام الأطفال، كي لا نرى فيهم ليونة فينكسر الضلع الخشن في الأسرة .

صديقتي استغربت مرة حين قلت لها إنني أرى في أبي حنان أمي، ودفء حضنها، ونفس لهفتها وخوفها وسهرها . فبالنسبة إليها، والدها هو بنك التمويل ليس أكثر، يجدونه عند الحاجة المادية، ولا يشاطرونه همومه كما لا يشاطرهم فسحاتهم وضحكاتهم . لا أفهم كيف يرضى أب أن يتحول إلى صراف آلي في المنزل لاغياً أهم أدواره وأجمل لحظات عمره بين صغاره؟

العالم يحتفل بعيد الأب، وأحتفل بأبي، وقد نويت أن يكون احتفالاً لا يقل أهمية عن احتفالي بأمي . هو جزء مني، كما أنا منه، أحمل اسمه، أشاطره الكثير من الجينات والملامح . يقولون إن البنات يعشقن آباءهن، ولا يهمني أن أعرف السبب ولا أن أعود إلى عقدة أوديب والفلسفة وعلم النفس لأحلل علاقتي بوالدي، فكل ما يهمني أنه مثال أحب أن أتشبه به، وأن أسلك طريقه وأرفع اسمه عالياً ليتباهى بأنني ابنته .

واليوم أيضاً سأحتفل بجدي الذي أجد فيه حنان الأب كلما أقام بيننا، وأشعر بلهفته وشوقه إلينا عبر الهاتف . أود لو يعيش في بيتنا كي يحكي لي حكايات أبي وهفواته الطفولية ونضحك سوياً . أحب ضحكة جدي البريئة حين أريه ألعابي الإلكترونية والصور العجيبة والأصوات الغريبة على جهازي الآي باد . يضحك وكأنه طفل صغير أمام لعبة عجيبة لا يعرف عنها شيئاً . يمسك بيدي لأعبر الشارع وأنا طفلة صغيرة، وأمسك بيده لأساعده على المشي وهو عجوز . وكلما نظرت إلى الخطوط في ملامحه وإلى رعشة يده، أشعر بثقل السنين وما تحمله من أجل أن يبني مستقبل أبي، ويصل به إلى ما وصل إليه .

مثله يفعل أبي، والتعب بدأ يرسم خطوطه في يديه ليذكرني دائماً بأنني مررت من هنا، وأن مستقبلي ونجاحي وسعادتي محفورة أبداً في يديه .

[email protected]