يعد إعلان قبول سوريا زيارة وفد مفتشي الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة سابقة في التعاطي الدولي عموماً، والأمريكي خصوصاً، مع دمشق. مفتشون دوليون في عاصمة الأمويين. المشهد قد يكون ذكرى لمفتشين صالوا وجالوا في عاصمة العباسيين طويلاً قبل ان يقرروا أن لا شيء واضحاً حول مشروع نووي عراقي يحضّر له الرئيس الراحل صدام حسين. غير أن قراراهم لم يؤثّر في "القناعة" الأمريكية أن لصدام ما يخفيه في المساجد والمدارس والقصور الرئاسية، وانطلق الغزو ليؤكد ما وصل إليه المفتشون: لا برنامج نووياً.

اليوم سوريا قد تكون على أعتاب الدخول في نفق التفتيش الدولي. نفق لا يكون في العادة مريحاً، ومسافته لا تنفك تطول مع الوقت، وظلمته تشتد حلكة. الغارة "الإسرائيلية" على الموقع في دير الزور كانت البداية، والتسريبات الأمريكية اليومية في الفترة اللاحقة، مهدت لتدخل وكالة الطاقة على خط ما يسمّى "البرنامج النووي السوري".

الحديث عن مثل هذا البرنامج قد لا يكون جديداً. ومن لم تسعفه الذاكرة يمكنه استرجاع التصريحات الأمريكية في الفترة اللاحقة لسقوط بغداد ونظام صدام حسين والفشل في العثور على أثر للبرنامج النووي العراقي. يومها تسابق مسؤولو الإدارة الأمريكيّة للإشارة إلى أن صدام هرّب مصانعه وخبراءه، إضافة إلى عائلته ومسؤولي نظامه، إلى سوريا.

الحديث أخذ حيّزاً واسعاً في الإعلام في حينها، ثم ما لبث أن اختفى بين أكوام الجثث التي أخذت بالتساقط يومياً في عاصمة العباسيين. غير أن الغارة "الإسرائيليّة" أحيته وفتحت باباً جديداً للضغط على سوريا، بعدما استنفدت الإدارة الأمريكية حججها السابقة في "مشروع المحاسبة" وانهارت عناوين "التدخل السوري في العراق ولبنان وفلسطين"، ولم تعد مادة سهلة الترويج.

التفتيش يبدأ في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، غير ان نهايته قد لا تكون معلومة، ونتائجه قد تكون مادة سجال طويلة الأمد بين سوريا وما يسمّى المجتمع الدولي، ولا سيما أن الإدارة الأمريكية بدأت تعد لما بعد التفتيش الأول، والذي من المقرّر أن يتفحّص صدقيّة الرواية "الإسرائيلية" والأمريكية بأن منشأة دير الزور كانت مفاعلاً لانتاج البلوتونيوم بنته سوريا بمساعدة كورية شمالية، غير أن دمشق لا تزال تصرّ على أن الموقع قاعدة عسكريّة قيد الإنشاء.

إثبات المفتشين صحة الرواية السورية لا يعني أن الأمور قد تنتهي عند هذا الحد، ولا سيما أن واشنطن بدأت الحديث عن ثلاثة مواقع إضافية مشتبهة ترغب من فريق التفتيش في زيارتها، ما يعني أن النفق لا يزال في بدايته.

[email protected]