الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الهزل والتآمر في حفل تكريم ترامب

30 أبريل 2026 00:34 صباحًا | آخر تحديث: 30 أبريل 02:26 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا أذكر يوماً خلال سنوات النضج كنت فيه عاشقاً لنظرية أو أخرى من نظريات التطرف والخرافة والتآمر السياسي ولا باحثاً عنها، وفي الوقت نفسه لا أذكر أنني كنت إذا فوجئت بواحدة منها أهملت متابعتها والتحقق من مصادرها ودوافعها ودراسة آثار ما صنعت وخلَّفت.
عشنا خلال هذا الأسبوع أياماً لم تفارق أذهاننا فيها سيرة الرئيس دونالد ترامب، لا جديد في هذه المقولة فنحن نعيش شهوراً لا تغيب عنا للحظة صورة ولا صوت الرئيس الأمريكي، وإن غاب أيهما لسبب أو آخر لاحقتنا من على البعد أو القرب أخبار تنقلاته، والأهم من تنقلاته، نصوص تصريحاته وإبداعاته الكلامية، وخصوصاً ما يتعلق منها بملاحمه الحربية وعلاقاته الشخصية بزعماء دول عظمى وصغرى، وبمن اختار من الصحفيات والصحفيين المعتمدين لدى البيت الأبيض ليصب عليها أو عليه جام غضبه وأسوأ ما في مستودع الصفات المهينة.
لا جدال أننا كنا خلال الأسابيع الأخيرة نعيش في أجواء سياسية إقليمية شديدة السخونة، والسبب فيها اختيار الرئيس ترامب وتفضيله «الحرب الدائمة» أسلوب عمل وعنوان الولاية الثانية له في حكم الولايات المتحدة، القطب الأعظم في النظام الدولي.
لم ينتبه الرئيس إلى أن التوسع بالاعتداءات المسلحة ضد دول صغيرة مثل فنزويلا وبنما وإيران أو أقاليم تخضع لسيادة دول حليفة مثل غرينلاند أو التوسع بالإيحاءات والدعاوي التاريخية والنواحي الجغرافية مثل الحملة المخططة من جانبه من أجل انضمام كندا إلى الولايات المتحدة كولاية إضافية، أقول لم ينتبه الرئيس إلى حقيقة أن حال الانحدار الذي تمر فيه الولايات المتحدة منذ عقود أفرز تداعيات تصب جميعها في ميل شعبي أمريكي لرفض الحرب، ورفض سياسة دعم إسرائيل بلا حدودٍ أو ترددٍ.
جاءت الليلة التاريخية، ليلة اجتماع الرئيس الأمريكي بممثلي الصحافة الأمريكية في حضور كبار شخصيات الدولة وشركاتها وجامعاتها، جلست أمام الشاشة متأهباً مثل أصدقاء أعرفهم، أرى أمامي القاعة وقد جلس الرئيس وزوجته ونائب الرئيس والوزراء وغيرهم على المائدة الرئيسية المطلة على القاعدة من علٍ.
رأيت وتابعت الهرج والمرج، وكأنه أمر واقع ومتوقع، لفت نظري سرعة دخول الجنود المسلحين إلى القاعة وكلهم بملابس ميدان غريبة على مرتادي مثل هذه المؤتمرات، لفت نظري أيضاً أن بعضهم كان يتحرك كما لو كان في عرض تدريبي مدروس ومألوف وليس كحال وجود عناصر إرهابية تهدد حياة أعضاء الجهاز الحاكم، رأيت رجال الخدمة السرية وهم يتقافزون حول الموائد يدفعون الرئيس للخروج من الباب المؤدي نحو الموقع الذي جاءت منه أصوات ما يشبه أصوات الرصاص، بينما وجدت أبواباً أخرى تؤدي إلى جهات ربما أقل خطورة.
لاحظت الارتباك ولم أجد تفسيراً في تلك اللحظة سوى أننا نعيش جميعاً في حال ارتباك منذ يوم تولي الرئيس الأمريكي مقاليد الحكم، بل وارتباك أيضاً في واشنطن أمام المشهد المتكرر لإقالة وزيرة بعد أخرى أو بعد آخر، راعني في النهاية أن لا هلع في القاعة ولا ولع، ربما هناك ضيق لأن برنامج الحفل لن يكتمل.
أيقظني قرب الفجر الهاتف الراقد بجواري لأستمع إلى صوت زميلة من الصحفيات المتمردات تنقل لي القناعة السائدة بين جماهير الصحفيين وبخاصة ممثلي قطاع الكوميديين الساخرين والقريبين من المسؤولين عن دوريات السياسة الخارجية، قناعة بأن الجانب الحرج من الحفل نظمته جهات أمنية موثوق بها على علاقة وثيقة بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
استمعت إلى الرسالة يقظاً ومنتبهاً خاصة وأن التقديرات الأولية ذهبت في أغلبها لتؤكد أن الرئيس أراد سد ثغرة في شعبيته المتدهورة، أو أنه تلقى تحذيراً مؤكداً وواثقاً بأن الخسارة في انتخابات نوفمبر محققة، أو أنه لن يحصل على المال المطلوب لاستكمال إقامة صالة الرقص العظمى وقوس النصر الأكبر في العالم اللتين بإنشائهما يخلد اسمه بعد أن فشل في إقناع أحد باستحقاقه نوبل للسلام.
إن صح ما يتردد بين بعض الصحفيين والدبلوماسيين بأن الولايات المتحدة تتدحرج نحو ورطة، وإن صدقت تجاربنا مع واشنطن خلال العقود الماضية وتأزمت أحوال أمريكا، سنكون جميعاً في ورطة أشد مما نحن فيه.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه