الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

إسرائيل وإيران.. وميدان الحرب الفكرية

30 أبريل 2026 00:30 صباحًا | آخر تحديث: 30 أبريل 00:31 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تعدّ مراكز الفكر والبحوث أداة مهمة تحرص الدول، الساعية إلى التأثير، على إنشائها، ودعمها، بهدف استشراف المستقبل، ودعم صناعة القرار، ووضع الخيارات، وفي بعض الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تلعب هذه المراكز دوراً محوريّاً في التأثير بالتفكير الاستراتيجي الأعلى لدى مؤسسات الدولة، مثل البيت الأبيض، والكونغرس، والبنتاغون، ووكالة الاستخبارات المركزية.
ولذلك تحرص بعض الدول، التي تتأثر بشدة بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل وإيران، على اختراق هذه المراكز، وتثبيت سردياتها، وترسيخها، والدفاع عنها بصورة غير مباشرة، ويدرك الطرفان تماماً أن ما يصدر عن هذه المراكز لا يقل أهمية، بالنسبة إلى أمنهما القومي، عن الذخيرة التي تُخزّن في مخازن السلاح، أو النفط الذي يُباع في أسواق الطاقة.
ولكي ندلّل على هذه الأهمية يكفي أن نتذكر الدور الذي لعبه، وما زال، الباحثون الأمريكيون من أصل إيراني، العاملون في مختلف مراكز الفكر والبحوث الأمريكية، للترويج لفكرة أن العداء بين واشنطن وطهران «مؤقت وتكتيكي»، وأن ما يجمع الطرفين أكثر مما يفرقهما، وأنه يمكن لطهران أن تساعد واشنطن على حماية مصالحها الاستراتيجية، وحفظ الأمن في الشرق الأوسط، ومكافحة الإرهاب، وهي نفسها الفكرة التي وُلِدَ منها الاتفاق النووي عام 2015، بعد اقتناع إدارة أوباما بها.
ولاحقاً، مع صعود دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة في فترته الأولى، وقناعته بضرورة محاسبة إيران، وتجريدها من أدوات القوة، وبعد انسحابه من الاتفاق النووي، لعب مركز الدفاع عن الديمقراطيات أحد أهم الأدوار في صياغة استراتيجية «الضغوط القصوى» على إيران، حيث تتبّع هذا المركز شبكات طهران السرية، وقدم توصيات إلى وزارة الخزانة بشأن كيفية الكشف عنها، وفرض العقوبات عليها.
واليوم، وخلال الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على النظام الإيراني، بدءاً من 28 فبراير (شباط) 2026، تشهد الساحة الفكرية معركة ضارية بين من يؤمنون بأن المقاربة الأمريكية المُثلى تجاه إيران تكمن في التفاهم للتوصل إلى صفقة «تطبيع» كبرى، ويرون أن الحرب خسارة للطرفين، وأنها لن تحقق، ولن تغير أي شيء، وعلى رأس هذا التيار الفكري باحثون أمريكيون من أصل إيراني، من أمثال ولي نصر وتريتا بارسي، ويشاطرهما هذه الأفكار مؤيدو الحزب الديمقراطي والليبراليون بشكل عام في أمريكا والغرب.
أما الطرف الآخر، المؤيد للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني، فيرى في التفاوض مع هذا النظام مضيعة للوقت، وأن استخدام القوة العسكرية كان ضرورة لمنعه من تطوير السلاح النووي، ولخفض قدراته الصاروخية والعسكرية، ولإجباره على توقيع صفقة تتضمن تنازلات كبرى، مثل التخلي عن التخصيب، وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، ومن أنصار هذا التوجه مراكز الفكر اليمينية في أمريكا، من أمثال مؤسسة هيريتيج، ويتحالف معها عدد من المسؤولين الجمهوريين السابقين، ممن تحولوا إلى محللين وخبراء استراتيجيين، مثل مايك بومبيو ومايك بنس.
ولإنهاء الحرب يعتقد التيار الديمقراطي-الليبرالي أنه لا حل ولا صفقة مناسبة مع طهران إلا العودة إلى صيغة مشابهة لاتفاق عام 2015، إذ إن تخلي النظام الإيراني عن البرنامج النووي، أو عن التخصيب المحلي، لن يحدث بأي حال من الأحوال، ويعمل هؤلاء اليوم على إقناع إدارة دونالد ترامب بهذه الفكرة، مستغلين منصاتهم المعهودة، مثل قناة «سي إن إن»، أو صحيفة «واشنطن بوست».
أما أصحاب الفكرة الثانية، فيشدون من أزر الرئيس ترامب، ويحثونه على إبقاء الحصار البحري في مكانه، ويؤكدون له أن طهران ستأتي مرغمة في النهاية إلى طاولة المفاوضات، نتيجة الظروف الاقتصادية، وستوافق على شروط واشنطن.
فهل ينجح الليبراليون الديمقراطيون، ومعهم كبار خبراء الشأن الإيراني، في تحويل قناعات ترامب، أم أن كبرياء الأخير، وقربه من التيار الفكري الآخر، سيدفعانه إلى مواصلة المسير، والتصميم على إخضاع النظام الإيراني؟
[email protected]
باحث في شؤون إسرائيل والشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه