من بين الخطوات التي اتخذتها ثورة 23 يوليو/ تموز في مصر، والتي تتجاوز في أبعادها الجانب الرمزي لتطال العمق، إلغاء الألقاب الموروثة عن العهد العثماني كالباشا والبيك وغيرهما.
انصاع الباشوات والباكوات إلى هذا القرار الذي أصبح ملزماً بقوة القانون، فما عادوا قادرين على أن ينهوا أسماءهم، أو يبدأوها بكلمة الباشا أو البيك، ولكنهم ظلوا لفترة طويلة من الزمن متمسكين بارتداء الطرابيش الحمراء التي تتدلى منها الخيوط دلالة المكانة الاجتماعية المميزة أو الوجاهة التي ألغاها القانون من أجل مساواة الناس أمامه.
لم يصدر قرار بتحريم ارتداء الطرابيش لأن الأمر يتصل بالحرية الشخصية للناس، حريتهم في أن يلبسوا ما يرونه مناسباً وملائماً لهم، أو بالأحرى ما اعتادوا على لبسه.
حال هؤلاء الباشوات والباكوات مع الطربوش يشبه حال الجيل الجديد من أبناء العائلات التي لا تخلو منها مدينة عربية، في المشرق وفي المغرب على حد سواء، التي تنسب ألقاب أفرادها إلى حُرف بعينها.
ففي أي مدينة عربية، صغرت أم كبرت، هناك دائماً عائلات الحداد والنجار والخياط والصائغ، وفي المدن الساحلية من الضروري أن تجد عائلات الصياد والسماك والقلاف، نسبة إلى التعبير الخليجي الذي يطلق على صناع السفن.
وحتى أمد ليس ببعيد كانت هذه المهن تتوارث ابناً عن أب وأباً عن جد، كان من المحقق حتى عقود قليلة مضت أن يكون ابن الحداد حداداً وابن النجار نجاراً وابن الصياد صياداً، لكن المدينة العربية خضعت لتغيير حاسم في بنيتها الاجتماعية وفي سيكولوجية أبنائها، يجد أبرز تجلياته في أن المهن ما عادت تُورث، وأن الجيل الجديد أصبح ميالاً لاختيار مهن أخرى، بسبب ما أحدثه تعميم التعليم من تغييرات، وبسبب اندثار الحرف الصغيرة أمام تقدم أساليب إنتاج جديدة، ما عادت تتطلب الحرفية اليدوية العالية التي تميز بها حرفيو زمان.
يضاف إلى ذلك نزعة الاستعلاء التي جلبتها الثروة إلى سكان المجتمعات العربية النفطية تجاه العمل اليدوي، وهكذا لم يعد أحفاد الحداد حدادين ولا أحفاد النجار نجارين، إنهم يحملون اللقب فقط، حالهم في ذلك حال باشوات زمان الذين تمسكوا بالطربوش، وفقدوا المكانة التي كانوا يمثلونها.
في حالنا انطوى الأمر على ما هو أخطر: احتقار قيمة العمل والنزوع إلى التباهي الأجوف.