أصبح من البدهيات ارتباط موسم الانتخابات الصهيونية بجرائم حرب، حيث يقدم قادة الكيان على ارتكاب سلسلة من المجازر بحق المدنيين العزل قبيل كل انتخابات لكي يحصلوا على صوت الناخب الصهيوني الذي لا يعطي صوته إلا إلى أعتى المرشحين إجراماً وأكثرهم دموية. وعلى هذه الخلفية تنطلق اليوم هذه الانتخابات بعد محرقة غزة لترشيح القتلة القادمين على رأس حكومة تل أبيب وسط مشاركة قوائم عربية، تتصارع على الأصوات الفلسطينية ليلحقوا بالرفقاء الصهاينة إلى الكنيست.
حتى الآن لا ندري ما هي الفائدة الكبيرة التي تعود على فلسطينيي 48 من تدافع الأحزاب الفلسطينية داخل إسرائيل على خوض انتخابات فرقت الصف الفلسطيني في الداخل أكثر مما جمعت، حتى إن الحركة الإسلامية في منطقة ال 48 انشقت إلى جناحين على خلفية اختلاف قادتها في 1996 حول قضية خوض هذه الانتخابات، وبفضل تلك الانتخابات انقسمت الحركة الى اثنتين إحداهما شمالية ترفض خوض الانتخابات، والأخرى جنوبية تؤيد وتخوض.
وقد تطور الأمر بعد ذلك إلى درجة انشقاق شيوخ من الجناح الجنوبي والتحالف مع الأحزاب الصهيونية أو الانضمام إليها، فيما حرضت قيادة ذلك الجناح خلال الأيام الماضية على نظيرتها الشمالية متهمة إياها بدعم الإرهاب من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتبرتها متحالفة مع اليمين الصهيوني المتطرف ضدها وبقية القوائم الفلسطينية، لا لشيء سوى أن الجناح الشمالي للحركة الإسلامية من انشقاقه قاطع تلك الانتخابات ويحرض جماهير الداخل الفلسطينية على المقاطعة تضامناً مع إخوانهم في غزة وتنديداً بالمحرقة التي ارتكبت بحقهم.
هذا هو الحال الذي وصلت إلية الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، أما الوضع مع التجمع والجبهة، فليس أفضل حالاً، حيث تتناحر القائمتان على فتات ما تبقى من الأصوات بعد المقاطعة وبعد التصويت للأحزاب الصهيونية، حيث ما زالت هناك نسبة ليست بالقليلة من الصوت الفلسطيني في الداخل تذهب، للأسف، لدعم الأحزاب الصهيونية، وذلك لقاء رشى انتخابية ووعود كاذبة مقابل أصوات باعها أصحابها بثمن بخس، متغاضين عن الجرائم التي ترتكبها الأحزاب الصهيونية ضد أبناء جلدتهم في الضفة والقطاع، وضد جيرانهم اللبنانيين.
ويمكن القول إن تجربة خوض بعض فلسطينيي 48 لانتخابات الكنيست في مجملها تجربة فاشلة، بل وأضرّت كثيراً بالقضية الفلسطينية، فمنذ انتخاب أول عضو كنيست فلسطيني إلى الآن لم نر أن هؤلاء النواب قد أثروا في صناعة القرار الصهيوني، ولم يحقوا حقاً أو يرفعوا ظلماً، ورغم انتخاباتهم ما زال التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48 متواصلاً، بل وآخذ في التزايد، على اعتبار أنهم من وجهة النظر الصهيونية أصحاب وجود مؤقت يتم ترحيلهم متى سنحت الفرصة، فيما بقي تأثير هؤلاء في الوسط الفلسطيني هامشياً، ولا يزيدون هذا الوسط إلا تشرذماً وانشقاقاً.
وفي المقابل منح هؤلاء النواب للدولة الصهيونية مكياجاً تجمل به وجهها القبيح أمام العالم الغربي، لتتغنى بأنها واحة الديمقراطية في المنطقة، وتستخدمهم كقناع لإخفاء مجازرها المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية، فيما تستخدمهم الأحزاب الصهيونية الحاكمة كاحتياط لتمرير مشاريعها في الكنيست مقابل امتيازات ورشى حزبية، فهل يقدم هؤلاء ولو لمرة واحدة على مقاطعة هذه الانتخابات، ليجمعوا على المقاطعة إنصافاً للضحايا والشهداء في عموم الوطن المحتل، بعد أن فشلوا في الاتفاق على الائتلاف في خوض الانتخابات، ليروا ما سيحدثه هذا الموقف من تأثير في السياسة الصهيونية وإسقاط أقنعتها؟