لم يعش أبو فراس الحمداني أكثر من سبعة وثلاثين عاماً، قضى منها عدة سنوات أسيراً عند الروم فترة الصراع بينهم وبين الدولة العباسية، وكان أسره على فترتين إحداهما بلغت سبع سنوات متواصلة، والثابت انه كتب الكثير من قصائده بعد أسره، وهو يشارك في معارك ابن عمه سيف الدولة أمير حلب مع جيوش الروم .
عاصر أبوفراس الحمداني أبا الطيب المتنبي، وكان الاثنان قامتين شعريتين من الوزن الثقيل، رغم أن صيت المتنبي ذاع وخُلد أكثر من أبي فراس، ربما بسبب الجوانب الدراماتيكية في حياته المتقلبة، وربما أيضاً لأنه عاش حياة أطول .
من منا لا يعرف قصيدة أبي فراس أراك عصي الدمع شيمتك الصبر من خلال بعض أبياتها المغناة بالصوت الآسر للسيدة أم كلثوم وبألحان الموسيقار رياض السنباطي، لكن غالبيتنا على الأرجح لا تعرف أن اللحن الذي وضعه السنباطي لهذه الأغنية لم يكن سوى واحد من ثلاثة ألحان لها، غنتها أم كلثوم، تباعاً، في مراحل مختلفة من حياتها الفنية، منذ أن كانت صبية تغادر بالكاد قريتها البعيدة .
يذكر الأستاذ حنفي المحلاوي في كتابه: شعراء أم كلثوم أن كوكب الشرق غنت هذه الأغنية أول مرة عام 1926 من الحان الموسيقار عبده الحامولي الذي لحنها لأستاذها الكبير الشيخ أبو العلا محمد، الذي كان أول من غنى القصيدة، قبل أن يسمح أصحاب شركات الفونوغراف للصبية الواعدة أم كلثوم بتسجل الأغنية بصوتها على اسطوانة .
في عام ،1944 بعد أن ذاع صيتها وتكرس اسمها في الوسط الفني، طلبت أم كلثوم من الشيخ زكريا أحمد أن يضع لحناً جديداً للأبيات التي كانت قد غنتها من قبل، لكن هذا اللحن لم يسجل على اسطوانة .
وفي ذروة تألق صوتها عادت أم كلثوم لتكليف رياض السنباطي في عام 1964 وضع لحن جديد للأبيات، وهو اللحن الذي نعرفه الآن، بعد أن أضافت عليها ثلاثة أبيات أخرى لم يسبق أن غنتها، وهي الأبيات التي تبدأ بالبيت القائل: وَفيتُ وفي بعض الوفاء مذلة .
ولم يسلم أبو فراس الحمداني نفسه من تدخل أم كلثوم في تغيير أحد أبيات قصيدته، حين استبدلت الواو بحرف الفاء الوارد في مطلع البيت القائل: فقلتُ كما شاءت وشاء لها الهوى، كما أنها أعادت ترتيب تسلسل بعض الأبيات، ليختلف عن الترتيب الوارد في النص الأصلي للشاعر .
drhmadan@hotmail .com