لا شك أن هناك رابطاً سيكولوجياً، ذا أبعاد سياسية بين حرب لبنان صيف ،2006 وحرب شتاء غزة 2008-2009. فللمرة الثانية شكلت إسرائيل لجنة تحقيق فينوغراد لتحديد تقصير الساسة والعسكر في حرب لبنان الثانية التي أطاحت بوزير الحرب ورئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي، وجعلت رئيس الوزراء ايهود أولمرت يترنح في منصبه.

وحتى نتبين تأثير نتائج حرب لبنان الثانية في الحكومة والجيش والشعب في إسرائيل، نقارنها بالتقصير الكارثي الذي وقعت فيه إسرائيل في حرب أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 التي تشكلت في أعقابها لجنة لتحديد التقصير في تلك الحرب برئاسة سيمون اغرانات، والتي عرفت بلجنة اغرانات رئيس المحكمة العليا في إسرائيل، والتي أوصت بطرد رئيس الأركان ديفيد اليعازر ومدير المخابرات ايلي زئيرا، وأطاحت في النهاية بوزارة غولدا مائير.

الأمر الخطير الذي جاءت به حرب لبنان الثانية الى الجانب الإسرائيلي، هو إدخال الرعب في قلوب ساسة إسرائيل. فإن هذه الحرب غيرت النمط الذي كانت تجري عليه حروبها السابقة، عندما كان سكان المدن الإسرائيلية يغنون ويرقصون والحرب تدور على أرض بعيدة. أما في هذه الحرب فقبعوا في الملاجئ يعانون من الرعب والهلع اللذين أصبحا وباء في القاموس الطبي الإسرائيلي، ووضع الساسة الإسرائيليين في مواجهة خاسرة مع ناخبيهم.

لذلك ظلت صواريخ القسام التي بررت بها إسرائيل حربها الوحشية التي فاقت في فظاعتها حتى لدى الشعوب البربرية في التاريخ والتي لم يكن لديها قنابل فوسفورية، ظلت صواريخ القسام سيفاً انتخابياً مصلتاً على رقاب قادة إسرائيل. لذلك تم التخطيط والإعداد لاجتياح قطاع غزة من قبل إسرائيل تحت ضغط عاملين، أحدهما عسكري والآخر سياسي، وينتهي العاملان إلى غاية واحدة هي كسب الحرب.

منذ إنشائها، جعلت إسرائيل من الردع العسكري سلاحاً فاق في أهميته كل أسلحتها الأخرى، لأنه يوفر لها انتصارات من دون الحاجة إلى خوض الحروب. لذلك كان أهم أهداف اجتياح غزة لدى القيادة العسكرية الإسرائيلية استعادة قوة الردع التي فقدها الجيش الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية، لأنه يوفر عليه خوض حروب أخرى.

أما العامل الثاني فكان تطلع القيادة السياسية للحرب لجني الحصاد الانتخابي. فإن وزيرة الخارجية الإسرائيلية عملت جاهدة على تحقيق الاتفاقية الأمنية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لتظهر لالإسرائيليين أنها حققت لهم الأمن المستقبلي. وأراد ايهود باراك أن يظهر ل الإسرائيليين أنه بطل الحروب، الذي لا ينازعه أحد على الأقل في تولي وزارة الحرب في المستقبل. أما ايهود أولمرت رئيس الوزراء فربما كان يتطلع الى هدف مزدوج، هو محو سجله المزري في الحرب والفساد الحكومي، وإفساح المجال له في العودة من جديد إلى الحياة السياسية.

وفي النهاية، يندفع السؤال بنفسه.. من المنتصر؟

في رأينا، انه الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده هو الذي أهدته إسرائيل، بجرائمها الفظيعة، هذا النصر الاستراتيجي.

كيف؟

اكتشف العالم بنفسه طبيعة إسرائيل بأنها عدوانية إلى درجة التوحش، وأنها مغتصبة إلى درجة التجاوز على الحقوق. وهذا ما عجزت عن إثباته على مدى ستين عاماً، دعايتنا الخائبة ودبلوماسيتنا البليدة.

الأمر الآخر، أن هذه الحرب أعادت للأمة العربية، ومعها أجيالها الجديدة، الوعي بطبيعة إسرائيل، وفقدان الأمل في أهلية إسرائيل للتعايش السلمي على المدى الطويل مع محيطها العربي.

ذات يوم في الفترة التي أعقبت توقيع السادات على معاهدة السلام مع إسرائيل (1979)، كان العلامة المؤرخ المصري حسين مؤنس يلقي محاضرة في أحد المواسم الثقافية التي كانت تشتهر بها الكويت، فسأله أحد الحضور عن رأيه في المعاهدة، فلم يتلعثم المحاضر ولم يستطرد في السفسطة، بل أجاب السائل على الفور: انصت إلى ما يقوله قلبك.

وشاءت الصدفة أن يوجه إلي السؤال نفسه من قبل سيدة أمريكية التقيت بها في أحد المتاحف في مدينة كوبنهاجن عاصمة الدنمارك، فقلت لها إنها مجرد تسوية لن يتوقف عندها التاريخ كما لم يتوقف عند غيرها من مئات التسويات.

وفي حربنا هذه انتصر الشعب العربي الفلسطيني.. نعم، وهُزمت إسرائيل بالرغم من جيشها البربري وترسانتها النووية.