إن الابتكار يشكل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وأحد الينابيع الرئيسية لازدهار الأمم، وغدا الابتكار يوماً بعد يوم هو مفتاح المنافسة في السوق. وهناك أربعة عوامل تبدو ضرورية في تفعيل نظام وطني للابتكار. أولها، استثمار الدولة في رأس المال الاجتماعي والبشري هو الأسمنت الذي يمسك بنظم المعرفة والابتكار معاً. هذا الرأسمال الموجود في عدد من مؤسسات توليد المعرفة في القطاع العام والخاص مثل الجامعات والكليات والمعاهد الفنية ومدارس التدريس المهني الأخرى. والتعليم العالي في حد ذاته بالغ الأهمية بالنسبة لرفد البحث الأساسي والتطبيقي المتواصل بالمواهب. ولقد حاولت نماذج جديدة للنمو الاقتصادي أن تقيم مثل تلك الجهود بطريقة أكثر تعقيداً وأعطت أهمية ليس فقط للتعليم في حد ذاته ولكن أيضاً لمنتجاته مثل البحث والابتكار.
ثاني عامل مركزي في أي نظام للابتكار هو الطاقة البحثية في الدولة والطريقة التي تنسج بها في داخل نظام التعليم العالي. ومن منظور نظام الابتكار الوطني التقليدي يكون التفاعل الوثيق مسألة في غاية الأهمية، ومن المنظور الدولي فإن مثل تلك الروابط يجب أن تكون أقل وثاقة مع الجامعات ومؤسسات البحث القادرة على جذب المواهب والكفاءات في جميع أنحاء العالم.
وربما كان العامل الثالث الذي يمسك المعرفة معاً في إطار النظام الوطني للابتكار هو التقارب الجغرافي الذي يحقق (الأداء التكنولوجي والابتكاري). ويمثل ما يمكن أن نسميه «التعنقد» الإقليمي للأنشطة الصناعية المبنية على التفاعلات الوثيقة بين الموردين والمستفيدين بما في ذلك شبكات التعلم والبحث من كل نوع، بين الشركات وبين القطاع العام والخاص، يمثل ذلك التعنقد وضعاً أكثر مرونة وتنظيماً وديناميكية من تركيز وقصر مثل تلك الأنشطة العلمية البحثية داخل إطار الشركات الفردية. إن شبكات التعلم والبحث الإقليمية والمحلية تتيح انسياباً أوسع للمعلومات ومعرفة واقتصاداً متبادلاً على نطاق أوسع بين الشركات ومؤسسات المعرفة في القطاعين الحكومي والخاص، ومؤسسات التعليم، ويحب بعض مؤلفي إدارة الابتكار أن يشيروا هنا الى فكرة (الابتكار المفتوح). إن الأداء التكنولوجي والابتكاري لدى الشركات هو ما يمكن قياسه مباشرة لتقريب درجة نجاح مثل ذلك التعنقد.
وفي دراسة لها شهيرة معروفة تقارن «ساكسنيان» تأثير وادى السيليكون والطريق 128 في الولايات المتحدة. وهي تستشهد بوادي السيليكون في كاليفورنيا حيث قام مجموعة من المستثمرين، مدعومين بجهود بحثية من الجامعات المحلية، بتأسيس مركز عالمي للتكنولوجيا المتطورة. وهي تعزو هذا النجاح الى شبكات أفقية من التعاون الرسمي وغير الرسمي الذي برز بين الشركات الجديدة في المنطقة. وعلى النقيض من ذلك يفتقر شريط الطريق 128 خارج بوسطون الى رأس المال الاجتماعي بين الشركات، هذا الافتقار أدى الى شكل تقليدي من طبقية الشركات، والسرية والاكتفاء الذاتي والمحلية. وتكشف المقارنة عن أن الأداء الابتكاري والتكنولوجي للشركات إنما يعتمد بالدرجة الأولى على التفاعل الوثيق بينها. وإضافة الى رأس المال البشري والبحث والظاهرة المتعلقة بالشبكات المحلية (وخاصة المشابكة بين الشركات) فإن العامل الرابع والأخير الضروري لأي نظام ابتكار هو الطاقة الاستيعابية للشركات والزبائن والمستهلكين في دولة ما أو منطقة بعينها.
ومن المتفق عليه أن قدرة الشركات على أن تتعلم سوف يعتمد بالدرجة الأولى على القدرات الداخلية التي يمثلها عدد الموظفين المؤهلين علمياً وتكنولوجيا ومستواهم. إن الشركات يجب أن تقوم بقدر كاف من البحث والتطوير لتكون ديناميكية اقتصادياً ويكون لديها الطاقة الاستيعابية لإدارة الحوار المهني مع قطاع البحث العام وغيره من مصادر المعرفة الخارجية. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون المستهلكون والزبائن والمواطنون منفتحين جداً للتصميمات والمنتجات وحتى الأفكار الجديدة ومن ثم يساعدون على التوزيع السريع للمنتجات الجديدة التي يخلقها البحث والتطوير في قطاعات المعرفة الواسعة، وإلا كانوا محافظين مقاومين للتغيير ومتشككين في الإبداع. ويجب أن يكون معلوماً أن الطاقة الاستيعابية بين الدول والمناطق بل حتى بين الضواحي تتفاوت تفاوتاً بيناً. ويمكن تمثيل العوامل الأربعة المفتاحية على أنها عناصر داعمة لحلقة مربوطة داخلياً ذات تأثير كلي إيجابي في النمو التنافسي القوي.
عوامل مفتاحية لنظام ابتكار وطني
1 أغسطس 2019 01:47 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 أغسطس 01:47 2019
شارك
د.عبدالعظيم محمود حنفي *