الاحتجاجات الشعبية في غزة على قرار الحكومة الفلسطينية حسم العلاوات من الرواتب التي يتقاضاها موظفو السلطة منذ انقلاب حركة حماس وسيطرتها على غزة في سنة 2007 من دون أن يلتحقوا بأعمالهم بطلب من السلطة نفسها، لم تغير رأي الحكومة التي بدت مصممة على اقتطاع علاوات طبيعة العمل والإشراف ضمن رواتب أكثر من 88 ألف موظف بين مدني وعسكري في غزة. ولو نظرنا إلى القرار من وجهة نظر سياسية فهو ظالم في توقيته لأنه جاء متأخراً عشر سنوات إذ كان من الواجب اتخاذه منذ الانقلاب لوضع حركة حماس أمام مسؤولياتها طالما استولت على القطاغ فعليها تدبير شؤونه الحياتية. لكن كان هناك من يعتقد أن سيطرة حماس طارئة وسرعان ما ستتراجع عن انقلابها وبالتالي يجب استمرار صرف الرواتب لموظفي السلطة ككل بمن فيهم من شاركوا في الانقلاب والقتال ضد قوات السلطة.وحتى الآن ما زال نواب وقيادات حماس من وزراء وغيرهم يتقاضون رواتبهم من السلطة الفلسطينية ولم تقطع عنهم. وهذا الوضع الذي ساد كان غير طبيعي بل ساهم في تثبيت أركان سيطرة حماس على غزة ولجم أية محاولة لمواجهة انقلابها بالقوة، فلم تكن لدى السلطة في رام الله أية خطة تجاه غزة سوى القبول بالحوار الذي اتخذته حماس وسيلة لكسب الوقت وتثبيت حكمها في غزة كمنصة انطلاق لجماعة الإخوان المسلمين، وكأول موطىء قدم تسيطر عليه الجماعة في العالم العربي.

قطاع غزة الأكثر كثافة سكانية في العالم وهو يقبع تحت الحصار والاعتداءات حيث دمر الاحتلال البنية التحتية لغزة وقتل بضعةآلاف من الأبرياء وما زالت آلاف الأسر بلا مأوى. فالأوضاع الاقتصادية خانقة في غزة حيث ترتفع نسبة البطالة لتكون الأكبر عالمياً، كما تتزايد نسبة الأسر تحت خط الفقر فيما الحكومة المهيمنة في غزة لا تقدم أية خدمات بل تمول نفسها من الضرائب المختلفة التي تفرضها على الناس من دون أن تقدم لهم أية خدمات،لأن السلطة ووكالة غوث اللاجئين هما من يتوليان الصرف على التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية، علماً أن السلطة كانت تدفع أثمان الوقود والكهرباء التي توردها «إسرائيل» إلى غزة مباشرة من مستحقات السلطة الضريبية وكانت تبلغ أحياناً 50 مليون دولار شهرياً ثم تناقصت بسبب رفع السلطة يدها عن الوقود إلى النصف،وقامت تركيا وقطر بتوريد الوقود إلى غزة كمنحة، لكن أجور الكهرباء تذهب إلى خزانة حماس فقط باعتبار أن المنحة القطرية والتركية لها وليست لشعب غزة.

حالة مختلطة ومرتبكة اقتصادياً وسياسياً انعكست لاحقاً على الوضع المالي للسلطة نفسها حيث بدأت الدول المانحة تتراجع عن دعم خزانة السلطة مباشرة وتطالب بوقف صرف رواتب موظفين لا يعملون وعائلات الأسرى والشهداء، فتوقف الدعم الأمريكي كلياً ثم البريطاني بعد الخلاف مع السلطة حول احتفال بريطانيا المتوقع بوعد بلفور ومطالبتها بالاعتذار عن الوعد وليس الاحتفال به، كما أن الدعم العربي تراجع إلى الحد الأدنى. وفي الشهور الأخيرة طلبت السلطة من قطر التوسط لتنفيذ اتفاق المصالحة لأن الوضع لم يعد يحتمل التأخير لا اقتصادياً ولا سياسياً وسلمت قطر مجموعة من الأسئلة لتنقلها إلى حماس لكنها لم تتلق أية إجابات. وهنا كما يبدو تحركت حكومة رامي الحمد الله واقتطعت العلاوات عن موظفي السلطة في غزة ولم تؤثر الاحتجاجات الشعبية في قرارها بل ربما هناك قرارات لاحقة إذا لم تستجب حماس لدعوة السلطة بالتخلي عن إدارة غزة بعد تشكيل حماس لجنة لإدارتها وهي حكومة موازية.وتعتزم السلطة لاحقاً الكف عن دفع فاتورة الكهرباء للاحتلال طالما أن من يستوفي أجورها أي حماس لا يسددها للسلطة، كما أن هناك قانوناً صدر لإحالة بضع عشرات من الموظفين العسكريين والمدنيين إلى التقاعد في الضفة وغزة وهذه الإجراءات هدفها التقشف وتجفيف مصادر دخل حماس الداخلية من الضرائب ووضعها في مواجهة عامة الناس، فإما أن تتولى شؤون غزة بالكامل أو تلتزم ببنود المصالحة أي تسليم إدارة غزة والمعابر للسلطة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تعد لانتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة. فك لغز أحجية غزة بات قريباً على ما يبدو أم أنه يبتعد! هذا ما ستجيب عنه الاتصالات المرتقبة بين حماس وفتح.

حافظ البرغوثي
[email protected]