حافظ البرغوثي
النظام العالمي الأحادي ينهار، ولم تتضح بعد معالم النظام الجديد الذي قد يتخذ شكله النهائي بعد انتهاء الأزمة الحالية التي تعصف بالعالم من أساسه، لكن المؤكد أن النظام العالمي الحالي سيكون أول ضحايا الأزمة الحالية.
على الصعيد الاقتصادي، فإن استمرار الشّح في الغاز والنفط والمواد الغذائية الاستراتيجية سيعني حتماً ارتفاع نسبة التضخم عالمياً، وانخفاض الناتج القومي الإجمالي بنسب قد تصل إلى خمسة بالمئة في بعض البلدان، وهذا يضاف إلى آثار جائحة «كورونا»، لكن الجانب الآخر هو انتعاش الصناعات العسكرية، بل ربما كانت الحرب دون دخول في تفاصيل هي حل لموجة الكساد الاقتصاد والمالي، ذلك أن الحروب الحديثة، من الحرب الأولى إلى الثانية كانت نتاج موجة كساد وركود حلت بالعالم.
وعلى الصعيد السياسي، وجدت أمريكا أن خارطة حلفائها لم تتغير كثيراً، فهي في إطار حلف الناتو، وعلى هوامشه، ولو استطاعت اتخاذ خطوات عسكرية أشد ضد موسكو لفعلت، مثلما فعلت في العراق عندما غزته من دون تفويض دولي، مستخدمة عقيدة الأرض المحروقة، أو عندما تدخّل التحالف الأوروبي الأمريكي في ليبيا، وفي سوريا وأرتكب جرائم حرب تم التعتيم عليها.
وعلى المستوى العسكري، يبدو أن الروس تباطأوا في الهجوم لأسباب لوجستية، ووجود مقاومة غير متوقعة من الجيش الأوكراني مدعوماً من الغرب، لكن، يتجاهل الكثيرون أن الجيش الروسي يتقدم بحذر، ويتفادى قدر الإمكان إلحاق الضرر بالمدنيين، وهذا واضح من أن ايام الحرب لم تسفر إلا عن سقوط بضعة مئات من المدنيين.
ولوحظ أن ألمانيا أقرّت ميزانية عسكرية ضخمة في خروج سريع من التزاماتها بعد استسلامها في الحرب العالمية الثانية، كما أن التلويح بالسلاح النووي، من الغرب والشرق، قد يتيح لها الفرصة للدخول إلى النادي النووي، والأمر نفسه ينطبق على اليابان لكي تحذو حذوها إلا إذا عارضت واشنطن، لأن الهدف الأكبر لواشنطن من الأزمة الأوكرانية هو فك الشراكة الاقتصادية النفطية والغازية بين روسيا وألمانيا، وتحجيم ألمانيا باعتبارها القوة الأكبر أوروبياً.
وعلى المستوى الإعلامي، أظهر الإعلام الغربي الكثير من العنصرية ضد الأفارقة والعرب، وهذا أمر متوقع، كما جرى إبراز الرئيس الأوكراني كبطل عالمي، بينما كان الإعلام الغربي يصف نظامه بالفساد، حتى أن بلاده لم تكن تلبي شروط قبولها للانضمام لحلف الناتو، مثل جورجيا ومولدوفا، بسبب الفساد ووجود ملفات مالية، كما كشفت «أوراق باندورا» المالية، كالتهرب الضريبي وغسل الأموال.
بقي أن نشير إلى أن الجانب الفلسطيني، وإن لم تكن له علاقة في ما يحدث، إلا أنه حقق بعض المكاسب المعنوية لتأكيد أن العالم الغربي يعامل إسرائيل كدولة فوق القانون، ويتجاهل قرارات الشرعية. فخلال أيام تلقت المحكمة الجزائية الدولية طلب أوكرانيا بدعم أمريكي للتحقيق في جرائم حرب قد تكون روسيا ارتكبتها في أوكرانيا، رغم عرقلة الغرب للتحقيق في ما ارتكبته إسرائيل، حتى الآن، ضد الشعب الفلسطيني، لكن هذا لم يمنع ذوي الضمير في الإعلام والبرلمانات الأوروبية من عقد مقارنات بين الأزمة الأوكرانية والقضية الفلسطينية.
الغرابة هنا، أن إسرائيل حاولت التوسط في الحرب كأنها لا تحتل أرضاً. وبينما لجأت إسرائيل إلى اختطاف أطفال أيتام من أوكرانيا ونقلتهم إليها لتهويدهم لاحقاً، وتجنيدهم في جيشها، فإنها تحث مئة ألف يهودي أوكراني على الهجرة إليها، وأعلنت عن تحديد أماكن استيطانهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يجري ذلك فيما البرلمان الأوروبي يبحث وقف المساعدات عن الفلسطينيين بسبب المنهاج المدرسي الفلسطيني، لأنه عندما تعرض لتاريخ فلسطين قبل سنة 1948سماها فلسطين وليس إسرائيل، وكأن المفروض شطب فلسطين بأثر رجعي من التاريخ.. هكذا يفكر عشاق القانون الدولي في أوروبا وأمريكا.. إنها مفارقات عجيبة على هامش الأزمة الأوكرانية.
[email protected]
حافظ البرغوثي
كأنما كرر الرئيس الروسي بوتين مقولة الزعيم الشيوعي لينين عندما قال قبل إعلان ساعة الصفر للثورة الشيوعية في 26 أكتوبر 1917:«أمس سيكون مبكراً وغداً متأخراً». ولعل بوتين اعتبر الهجوم على أوكرانيا ضربة استباقية ضد ما يعتقد أنه مخطط غربي بشأن روسيا، فهو يهرب إلى الغد لأنه يخشى الأمس، ويرى أن حلف الناتو يزحف رويداً لحصار روسيا لتغيير واقعها تحت شعار حقوق الإنسان والديمقراطية وإعادتها إلى الوضع كما كان في عهد يلتسين، حيث سيطرت طبقة من الرأسماليين الجدد المدعومين من الغرب على الثروات ومفاصل السلطة في روسيا.
الآن يصف الغربيون الرئيس الروسي بأنه «دكتاتور» والبعض يدعو للقتال كما كان ضد النازية. بل إن وزيرة الخارجية البريطانية دعت العسكريين السابقين في أوروبا للالتحاق بمراكز معينة للقتال في أوكرانيا ضد روسيا قائلة «معاً نهزم هتلر الجديد».
التاريخ يقول إن الفضل الأكبر لهزيمة الزعيم النازي هتلر هو لروسيا الشيوعية وصمودها أمام الزحف النازي والتضحيات التي قدمها الشعب الروسي وحلفاؤه من شعوب الاتحاد السوفييتي السابق، حيث بلغ عدد ضحايا الحرب من الروس قرابة 18 مليوناً وهي الأكبر في التاريخ. كما أن روسيا القيصرية لها الفضل في إلحاق الهزيمة بنابليون بونابرت بعد حملته الفاشلة في روسيا، بل لاحقه الجيش الروسي حتى فرنسا وسمي القيصر الروسي الكسندر الأول بمنقذ أوروبا.
يرفض الغرب الآن أية مقارنة بين غزوه لدول أخرى وما يحدث في أوكرانيا، ويعتبرون أن الغزو الأمريكي والغربي للعراق وأفغانستان وليبيا وسوريا أمر آخر، لأن أوكرانيا دولة أوروبية متحضرة وغيرها لا يدخل في الحساب.
روسيا أنقذت أوروبا من هتلر ونابليون، وعاد النازيون الجدد كأحزاب شرعية في ألمانيا وإيطاليا والنمسا وهولندا وتشيكيا وهنغاريا وأوكرانيا، لكن عدوهم الآن هم الروس.
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تلقت موسكو قبل ثلاثة عقود تأكيدات من حلف الناتو بأنه لن يتوسع شرقاً لكن الحلف ضم أغلب الدول الشرقية في أوروبا تباعاً وأخذ يغازل أوكرانيا بعد إطاحة الموالين لموسكو من السلطة من خلال ما سمي ب «الثورة البرتقالية» وظل الأمر كذلك. ولعل معضلة إقليم الدونباس ذي الأغلبية الروسية فجرت الوضع سنة 2014 وانتهت باتفاق مينسك، لكن الاتفاق ظل بلا تنفيذ ولحقته أزمة القرم، وهما تاريخياً إقليمان روسيان تم ضمهما إلى أوكرانيا من قبل لينين وهو أوكراني الأصل. فمدينة كييف هي الأقدم في روسيا القديمة وهي «الأرض الأم» للقومية الروسية السلافية القبلية وقربها قبيلة الأوكران السلافية أيضاً، فالقبيلتان تشتركان في الأصل وتقارب اللغة. ولعل التقسيمات الإدارية الشيوعية أدت إلى إلحاق مناطق من دول إلى أخرى.
القضايا الحدودية الروسية العالقة مع جوارها كثيرة سواء مع لاتفيا أو مع فنلندا في القطب الشمالي أو مع اليابان حول جزر بينهما. ولا ننسى أنه قبل أكثر من 170 عاماً عندما نشبت الحرب بين الولايات المتحدة والمكسيك، احتلت أمريكا العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، وبموجب «معاهدة غوادالوبي» حصلت بالقوة على أراضي ولايات كاليفورنيا ونيفادا ويوتا ومعظم أريزونا ونيومكسيكو وأجزاء من كولورادو ووايومينج. وهو ما أشار إليه المندوب المكسيكي في مجلس الأمن قبل أيام.
إن تجليات الأزمة الحالية إن لم تحسم بالتفاوض؛ فقد تتدحرج إلى حرب عالمية مدمرة لأن التشجيع الغربي لأوكرانيا أولاً، ثم الوعود بالدعم أضر بأوكرانيا التي اضطرت لأن تواجه أكبر قوة وحدها، ولعل إمداد أوكرانيا بالسلاح والمتطوعين يعني تبرير أي رد فعل روسي خارج حدود أوكرانيا وتوسيع نطاق الحرب. فالمعجزة فقط تستطيع إنقاذ الوضع من كارثة عالمية.
[email protected]
حافظ البرغوثي
فجاة وجدت إسرائيل نفسها ومستوطنيها من يهود روسيا وأوكرانيا بين فكي خصمين لدودين تربطهما علاقات سياسية واقتصادية ومالية قوية باليهود الذين اصطف بعضهم على طرفي النزاع الروسي الاوكراني. فاليهود متواجدون بقوة في السياسة والاقتصاد الروسي ومن أبرزهم رجال أعمال أثرياء جداً من المقربين إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي رغم محاربته الطبقة المسماة الأوليغارشية، أي النخبة الثرية التي كونت ثروات خيالية في فترة حكم يلتسين، إلا أن هؤلاء فروا إلى أوكرانيا والغرب وإسرائيل لاحقاً، وبقي منهم أقوياء حول بوتين نفسه حتى الآن.
وفي أوكرانيا التي يسيطر المال اليهودي على تجارتها الخارجية من الفولاذ والحبوب توجد جالية يهودية كبيرة هاجر أكثر من نصفها إلى فلسطين منذ بداية المشروع الصهيوني مثل غولدا مائير وليفي أشكول إلا أنه بقيت هناك جالية كبيرة تحاول إسرائيل تخويفها من الوضع ليهاجر أفرادها إليها، لكن لا أحد حتى الآن لبى النداء. حتى الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وعددهم 12 ألفاً رفضوا مغادرة أوكرانيا.
لقد تحولت الأزمة الأوكرانية الروسية بالنسبة لإسرائيل إلى أزمة داخلية أولاً وخارجية ثانياً، خاصة أن هناك مئات الألوف من الروس والأوكرانيين ممن هاجروا إلى إسرائيل احتفظفوا بجنسياتهم المزدوجة، وبعضهم لم يكونوا يهوداً بل ظلوا مسيحيين، وظل ولاؤهم ملتبساً بين إسرائيل التي أعلن وزير خارجيتها يائير لبيد أنه سيكون في الخندق الأمريكي في حالة الصراع بين القطبين، بينما نجد في عمق الأزمة زعيماً روسياً قومياً يهودياً هو فلاديمير جيرينوفسكي من أشد المتعصبين للقومية الروسية في مجلس الدوما، وكان في السابق تقدم بطلب للهجرة إلى إسرائيل، وهناك أحد قادة الانفصاليين في إقليم دونباس وهو يهودي أوكراني روسي يقود قوات انفصالية.
إسرائيل التزمت الصمت منذ بدء الأزمة، وحاول رئيس وزرائها بينيت التوسط وكأنه قوة كبرى بين روسيا وأوكرانيا فظل تصريحه بلا صدى، وطلب من وزرائه عدم التعليق، لكن بعضهم لم يستمع إليه، فقد تعرض لبيد إلى انتقادات لانحيازه إلى الجانب الأمريكي، كما أن الإعلام الإسرائيلي شن حملة ضد بوتين واصطف إلى جانب أوكرانيا. فإسرائيل كما يهود روسيا وأوكرانيا لهم مصالح في كلا البلدين، فمن ناحية هناك محاباة روسية لإسرائيل في الأزمة السورية من خلال إطلاق يدها في سوريا من دون تدخل روسي، بينما لإسرائيل علاقات وطيدة مع أوكرانيا والأوليغارشية الروسية الأوكرانية التي توغلت في الحياة الاقتصادية الاسرائيلية.
لكن إسرائيل لا تستطيع اتخاذ موقف محايد إذا ما طلب منها الأمريكيون ذلك. فسلاح العقوبات الذي بدأه حلف الناتو ضد روسيا بعد اعترافها بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك يفرض على إسرائيل الانضمام إلى العقوبات ضد روسيا وهو موقف محرج لها سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لكن الأمريكيين لا يتهاونون في مثل هذه الظروف وبالتالي ستنصاع إسرائيل لأية مطالب أمريكية مع ما يمثله ذلك من إمكانية أن تنفض روسيا يدها من التفاهمات العسكرية مع إسرائيل بشأن حرية العمل العسكري في سوريا، بل يمكن لروسيا إن ضاق بها الوضع أن تعترض أي نشاط إسرائيلي في سوريا.
فالأزمة الروسية الأوكرانية لن تحل في وقت قريب بل ستمتد لفترة طويلة وقد تلحق أضراراً سياسية واقتصادية بإسرائيل، لكنها قد تعود ببعض المكاسب للدول المنتجة للنفط والغاز لتلبية حاجة أوروبا التي كانت تراهن على خط السيل الشمالي الروسي الذي أوقفت ألمانيا المصادقة عليه بعد العقوبات الغربية.
[email protected]
حافظ البرغوثي
التقارب التركي مع دول عربية ثم مع إسرائيل، سيخلق مناخاً سياسياً جديداً قد لا يسمح للإسلام السياسي العربي، أي جماعة الإخوان المسلمين العمل انطلاقاً من تركيا. فالحسابات التركية بين الخسائر والأرباح تتجه نحو الأرباح من خلال تصفير الخلافات مع الدول العربية المتضررة من الأنشطة الإخوانية. ثم تضاف إليها إسرائيل التي ظلت علاقاتها التجارية قائمة مع تركيا رغم انقطاع التبادل السياسي وعينت تركيا سفيراً لها في تل أبيب.
نقطة الضعف في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين هي تحالفاتهم الخاطئة منذ بداية تأسيس الجماعة في الإسماعيلية بدعم بريطاني،حيث ظلوا على وفاق مع الاحتلال البريطاني. وبعد الثورة ضد نظام الملك فاروق أيدوها،وعندما لم يسيطروا عليها انقلبوا وتآمروا عليها واتخذوا من لندن مقراً لهم بتسهيلات من المخابرات البريطانية التي صارت تعمل باسمهم ضد النظام الناصري باعتباره شيوعياً حسب زعمهم،كما وجدوا ملاجئ لهم في الدول التي كانت على خلاف مع عبد الناصر.
وبعد وفاة عبد الناصر تحالفوا مع السادات الذي استخدمهم لمواجهة الاتحاد الاشتراكي، ومن بطنهم لاحقاً خرجت جماعات متطرفة، من بينها التنظيم الذي اغتال السادات نفسه. بالنسبة لحركة حماس فإنها مارست الخطأ نفسه في التحالف مع الحكم العسكري الإسرائيلي في نهاية السبعينات، ومنح الحكم العسكري لقادة التيار الإخواني في غزة ( المجمع الإسلامي) تسهيلات لإدخال وجمع تبرعات من الخارج. لاحقاً تحالفت حماس مع سوريا ومن ثم مع إيران، لكن شهر العسل السوري انفض بعد اندلاع ما يسمى«الربيع العربي» وظن تيار الإخوان أنه على وشك الإمساك بزمام الأمور في العالم العربي كله مستفيداً من الدعم الأمريكي. وكان للسياسة التركية في حينه من حيث احتضان الجماعات المسلحة في سوريا بدعم غربي بائن، ولوجود مصالح لتركيا ضمن الوطن السوري أثر في انتقال الثقل الإخواني خاصة بعد ثورة يناير المصرية إلى تركيا.
أدركت تركيا أن خلافاتها مع بعض الدول العربية عادت عليها بالخسارة الاقتصادية في مجالات السياحة والتجارة والاستثمار العربي الوفير فيها، وأن أوروبا التي تنتمي إليها كعضو في حلف الناتو تعاملها كدولة من الطبقة الثانية، فالمشرق العربي أضمن لها. كما فقدت موقعها الجغرافي كمعبر للغاز بعد انتهاء العمل بمشروع السيل الشمالي من روسيا نحو شمال أوروبا، فكان العمل على تصفير الخلافات مع الدول العربية التي ستكون العلاقات معها ذات منفعة متبادلة تنتشل الاقتصاد التركي من أزمته وتفتح مجالات للاستثمار الخليجي،ناهيك عن المكاسب السياسية للأمن الإقليمي لدول المنطقة.
الآن ستحاول تركيا تهدئة الخلافات بين فتح وحماس، حيث أوفدت مبعوثاً إلى رام الله لإيجاد مخرج نحو المصالحة، أو تهدئة الأمور بين إسرائيل وحماس،فالظروف بالنسبة لحماس تبدو ضاغطة، فتحالفاتها تبقى مؤقتة مع حلفائها، وعندما تنتهي مهمتها ينتهي التحالف. فتركيا تعلم أن الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران سيترك حماس في العراء، ولعلها تبحث عن ثوب فلسطيني لسترها أو تهدئة مع إسرائيل وكأنها تعلن أن مرحلة الإسلام السياسي العربي انتهت بالفشل.
[email protected]
حافظ البرغوثي
هذا هو ملخص اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني الأخيرة في رام الله. فقد قرر المجلس المركزي لمنظمة التحرير تعليق الاعتراف بإسرائيل، وإنهاء التزامات السلطة الفلسطينية بكافة الاتفاقيات معها إلى حين اعترافها بدولة فلسطينية على حدود 4 حزيران/ يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. وقرر المجلس أيضاً «وقف التنسيق الأمني بأشكاله المختلفة». وكلف المجلس المركزي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ب«العمل على وضع الآليات المناسبة لتنفيذ قراراته، وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني».
والعبارة الأخيرة تشير ضمناً إلى أن التنسيق سيستمر حتى لا يتضرر الشعب الفلسطيني من وقفه، نظراً لتوقف الحياة اليومية الفلسطينية على التنسيق في كل الميادين الاقتصادية والتجارية والتنقل والاستيراد، وكذلك العمل، حيث يعمل قرابة 200 ألف فلسطيني في المرافق والمصانع الإسرائيلية.
وكانت السلطة الفلسطينية أوقفت التنسيق الأمني مع الاحتلال في منتصف 2020 رداً على نية الاحتلال إعلان ضم الضفة الغربية إلى الكيان الإسرائيلي، وقاطعت السلطة الفلسطينية إسرائيل عملياً، ورفضت التنسيق المالي مع الاحتلال بشأن المستحقات الضريبية، ما أدى إلى شح الموارد وتوقف دفع الرواتب. والغريب في تلك الفترة التي استمرت شهوراً أن حركة حماس التي تضررت من توقف دفع الرواتب لموظفي السلطة في غزة، وتوقفها عن جني الضرائب من الموظفين بسبب ومن دون سبب، وسّطت قطر لإقناع الرئيس الفلسطيني بتسلم الرواتب، وهي التي كانت تهتف يومياً بإسقاط التنسيق، وحالياً ترفع الشعار ذاته مع أنها تنسق أمنياً على حدود غزة.
السلطة لا تستطيع حالياً تكرار ذلك؛ لأن الوضع الفلسطيني في أسوأ حالاته اقتصادياً وسياسياً، فحماس والجهاد ليستا مشاركتين في المنظمة من قبل، وتطالبان طبقاً لوجهتي نظرهما «في الورقتين اللتين سلمتاهما للمسؤولين في الجزائر التي تستمع للفصائل الفلسطينية تمهيداً للحوار» تريدان إعادة تشكيل قيادة المنظمة، ثم المجلس الوطني أولاً، ولم تتحدثا عن المصالحة.
في وضع مأساوي كهذا لا يمكن للمجلس المركزي أن يقرر الكثير، ولا تستطيع اللجنة التنفيذية أن تنفذ قراراته. فواقع الحال أن الجانب الإسرائيلي يرفض التفاوض بالمطلق بلسان رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت الذي يكرر أنه لن يجتمع مع أي مسؤول فلسطيني، بينما يقوم وزير الحرب جانتس، بتسيير الأمور اليومية في العلاقات مع الفلسطينيين لمنع الانفجار في الضفة دون التطرق إلى الملف السياسي.
فاليمين الإسرائيلي يريد تقزيم القضية الفلسطينية وتصويرها على أنها قضية داخلية لا حاجة للتدخل فيها من أي طرف خارجي، بمن فيهم الأمريكيون، حيث نجح الإسرائيليون في وقف تنفيذ تعهدات الرئيس الأمريكي جو بايدن بفتح مكتب المنظمة في واشنطن وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، والعمل على وقف الاستيطان للحفاظ على حل الدولتين. فالقضية حالياً باتت تدور في إطار الحكم الذاتي فقط.
ففي اليوم الذي انعقد فيه المجلس المركزي الفلسطيني قامت وحدات خاصة باغتيال ثلاثة من نشطاء فتح في نابلس، وأعلنت السلطات الإسرائيلية عن مشروع لهدم عشرات المتاجر والبيوت في القدس من دون أي تنديد أمريكي أو دولي، وشن المستوطنون حملة على مفارق الطرق في الضفة تحت شعار «أرض إسرائيل في خطر»، مطالبين بترحيل الفلسطينيين إلى الخارج. وفوق هذا وذاك، تتنامى الأزمة الاقتصادية الداخلية الفلسطينية لندرة المساعدات الخارجية وفقدان المقاصة الضريبية لغزة.
وشرعت السلطة التي باتت تعتمد على إيراداتها من الضفة فقط، في صرف نسبة ثلثي الراتب منذ شهور. وضع كهذا لا ينذر بغد مستقر، وهناك أصابع عديدة تلعب في الحقل الفلسطيني أهمها تهريب السلاح، إما لغايات إجرامية أو تعظيم العشائرية ومشتقاتها من الفتن والتخلف الوطني، أو سياسة شخصية لخلق بؤر عدم استقرار يستطيب الاحتلال ظهورها. فالمجلس المركزي كان كمن يرقص في العتمة.
[email protected]
حافظ البرغوثي
حلقت ثلاث طائرات قيادة استثنائية في الأجواء الأمريكية، كمؤشر إلى استعداد أمريكي لأسوأ الاحتمالات إذا تطورت الأزمة الأوكرانية إلى التصعيد العسكري، بينما كانت غواصات روسية تمخر تحت الماء بالقرب من نيويورك، ما دفع بأعضاء في الكونجرس إلى دعوة البنتاجون إلى إرسال سفن إلى البحرين المتوسط والأسود كرد على الوجود الروسي قرب المياه الأمريكية.
تحليق الطائرات القيادية الأمريكية غير عادي، لأنها تستخدم في الحرب النووية، وكذلك فإن الغواصات الروسية يمكن تسليحها بصاروخ «تسيركون» الروسي الفرط صوتي، وهو صاروخ يحمل رؤوساً نووية. وفي الوقت ذاته وصلت إلى أوكرانيا المزيد من شحنات الأسلحة الغربية، وأجرت كييف مناورات عسكرية براجمات الصواريخ قرب شبه جزيرة القرم التي سيطر عليها الروس سابقاً.
التطورات الميدانية الأوكرانية، تزامنت مع تصريح للرئيس الأوكراني زيلينسكي عن خطة لتجنيد مئة ألف جندي في الجيش، فبعد تصريحات معتدلة تدعو إلى الحل الدبلوماسي، صرح بها الأسبوع الماضي ودعا فيها الغرب والإعلام إلى التوقف عن بث الذعر في بلاده وكأن الحرب دائرة، تصلب الرئيس الأوكراني فجأة بعد أن سمح لمسؤولة في وزارة الدفاع بالقول إن الأنباء الأمريكية المنقولة عن ضباط كبار في البنتاجون من أن روسيا أرسلت وحدات دعم لقواتها على الجبهة استعداداً للحرب، هي محض افتراء، عاد إلى دائرة التصلب وأعلن أن إقليم دونباس ذي الأغلبية الروسية لن يحظى بأية امتيازات. وكان وضع الإقليم طبقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في مينسك يبقى محل تفاوض مع الأخذ بخصوصيته.
وفي المقابل تحاول فرنسا لعب دور الوسيط العاقل بعد مكالمتين أجراهما الرئيس ماكرون مع نظيره الروسي بوتين الذي أكد فيهما أن روسيا لا تريد الحرب، وتسعى إلى حل سياسي. لكن الروس أمام التعنت الغربي نشروا نص رسالة وزير خارجيتهم لافروف التي أرسلت إلى الاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة، وفيها يؤكد أن الأمن لا يتجزأ، وأن مطالب روسيا تم إهمالها رغم وجود عدة اتفاقات سابقة في ميثاق الأمن الأوروبي واتفاق إسطنبول وآستانة حول ذلك. بعدما اتّهم الرئيس الروسي الغرب، بمحاولة جر بلاده إلى الحرب، ترك الباب مفتوحاً أمام عقد مزيد من المحادثات.
وشهدت الأسابيع الأخيرة جهوداً دبلوماسية حثيثة لمنع اجتياح روسي لأوكرانيا، بعدما حشدت موسكو عشرات آلاف الجنود عند حدود جارتها الموالية للغرب. وحذّر قادة الحلف من أن أي اعتداء سيقابل ب«عواقب شديدة» تشمل عقوبات اقتصادية واسعة النطاق.
وتنفي روسيا أي خطط لاجتياح جارتها، وتتهم الغرب بالفشل في احترام مخاوفها الأمنية عند حدودها. وحدد مسؤولون روس مجموعة من المطالب لخفض التوتر، تشمل فرض حظر على انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي أو نشر أنظمة صاروخية عند الحدود الروسية، وسحب قوات حلف الأطلسي في شرق أوروبا.
وفي أبرز تصريحات يدلي بها بشأن الأزمة منذ أسابيع، اتّهم بوتين الغرب بتجاهل مطالب بلاده، وأشار إلى أن واشنطن تستخدم أوكرانيا كأداة لجر موسكو إلى نزاع. وقال في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان، إن «أوكرانيا نفسها ليست إلا أداة لتحقيق هذا الهدف» المتمثّل بالسيطرة على روسيا.
ولفت بوتين إلى أن الرئيس الفرنسي ماكرون، قد يزور موسكو في الأيام المقبلة. وفي المحصلة ما زالت الأزمة تترنح بين الحلين الدبلوماسي والعسكري ويعتقد الكثيرون أن تلبية مطالب روسيا، تعني لجم حلف الناتو، بينما يرى آخرون أن هذه المعركة هي معركة بوتين التي قد تطيل عمره في الرئاسة في حال تحقيقه أي إنجاز فيها.
[email protected]