بعض الكتابة يدخل بسهولة في دائرة الغرابة، وقد يتقصد الإدهاش عمداً ومع سابق الإصرار، ليغرد خارج السرب، فيكون صوتاً نشازاً خالياً من المعنى والجوهر، ومن ذلك مقال الأخ عبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط يوم أمس .
عنون الراشد مقاله ب مسجد أم رمز للدمار؟، فبدأ الاستفزاز من العنوان، أما الموضوع فحول مسجد نيويورك، والراشد يسخر تماماً من فكرة بناء المسجد، ويقول بالحرف: لا أتصور أن المسلمين يريدون مسجداً في هذه البقعة تحديداً، لأنه سيتحول إلى ساحة لدعاة الكراهية ورمز لمرتكبي الجريمة .
ويرى الراشد أن الرئيس أوباما وقف موقفاً صعباً عندما أيد بناء مسجد في نفس المكان الذي مات فيه ثلاثة آلاف أمريكي على يد إرهابيي القاعدة في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 .
يتبنى الراشد فكرة مفتعلة ومتعسفة، ولذلك جاء مقاله مفتعلاً وبلا قرار، ولا يمكن لقارئه أن يتم القراءة من دون إثارة هذا السؤال: ماذا يريد الكاتب؟
وفعلاً . . ماذا يريد عبدالرحمن الراشد؟ . . وماذا تريد مجموعة شبيهة من الكتاب والإعلاميين دأبت على إثارة قضايا كأن شعارها خالف تعرف فقط .
إن لم تكن لديك فكرة معقولة ومفيدة أيها الكاتب فمن الأفضل أن تكسر قلمك أو تضعه في الدرج وتصمت . أما إثارة أفكار من هذا النوع فعملية مضرة قطعاً، وغير سوية، والذي غاب عن الراشد، على ما يبدو، أنه بمثل هذا الطرح يربط بالفعل بين المسجد والإرهاب .
هذا الربط القسري المترتب على أفكار مسبقة، غير عقلانية أو منطقية، يرسخ في الذاكرة الجمعية للآخر، الصورة النمطية المتداولة عن الإسلام والمسلمين .
والإسلام ليس القاعدة، والمسلمون ليسوا ابن لادن، لكن بعض الإعلام العربي الذي حوّله البعض إلى إعلام مدع ومغرور يأبى إلا الخروج عن طبيعته وسويته، ليسهم أكثر في تضييع الهدف والبوصلة وقارب النجاة الأخير .
يمضي الراشد في تفنيد حجته فيقرر أن المسجد سيصبح مزاراً لكارهي الإسلام بهدف تأليب الرأي العام، وبدعوى أن مسجداً يبنى على جثث ثلاثة آلاف قتيل أمريكي دفنهم، أحياء، أناس يصرخون الله أكبر، وهو النداء نفسه الذي سيسمع من المسجد .
بمثل هذا التفكير السطحي الساذج يختم الراشد مقاله غير الراشد، مؤكداً أن المعركة خاطئة، حيث لم يكن هناك مسجد أصلاً حتى يعاد بناؤه، وحيث لا يوجد مسلمون منقطعون يريدون مكاناً للعبادة .
يندرج هذا تحت عنوان الذين يتصدون لمساجد الله من أن تقام في أرض الله، مصداقاً لقوله جل في علاه: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه (البقرة 114) .
المسجد مسجد، وهو رمز تاريخي ومستقبلي أيضاً، وفي التقدير السويّ، هو مبارك وكريم حيث أقيم، ولإقامته في تلك البقعة ذات الشهرة العالمية دلالات مضيئة لا تخفى على عاقل أو راشد .
وإلى كل كاتب يريد أن يكون ملكياً أكثر من الملك، بل إلى جماعة الكتّاب من هذا النوع وقد أصبحت كتاباتهم جاثمة على صدر الإعلام العربي كالكابوس: ماذا تريدون؟ . . ولماذا تفترضون في القارئ العربي عدم الخبرة والفطنة حتى لا نقول الغباء؟
إن طريق فلسطين التي يتباكى عبدالرحمن الراشد عليها في مقاله العجائبي يبدأ من احترام الكاتب لنفسه ولقارئه، ومن احترام العقل، وعدم اللجوء إلى الافتعال الفج .
الراشد بالمناسبة لا يتكلم على تحرير فلسطين، بل على إقامة الدولة الفلسطينية (أي دولة، وعلى أي مساحة، وبأية كيفية، ليس مهماً بالمرة) وحتى هذه لا يحققها أوباما أو سواه كما يفهم الراشد، ولا يحققها الإعلام المغرور غير الراشد . .
احترام العقل أولاً وأخيراً . . تلك خطوة أولى نحو كل هدف عظيم .