الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الولايات المتحدة في فخ ثيودسيديس

27 مايو 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 27 مايو 00:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في زيارته الأخيرة للصين شعر الرئيس الأمريكي بحفاوة استقبال تعكس التهذيب التقليدي لدى الصينيين، لكن الحفاوة لم تقف حائلاً دون تمرير الرسائل المقصودة إلى الضيف الكبير، وعلى رأسها اثنتان لهما قيمتهما الرمزية. الأولى تتعلق بالندية الكاملة بين البلدين، فالذي استقبل ترامب في المطار هو نائب الرئيس، أما الرئيس شي جين بينغ فانتظره في قصر الشعب، كما يجري عادة مع سواه من الزعماء، دونما استثناء برتوكولي، وذلك ما لا يجرؤ عليه في عالم اليوم سوى الصين وربما العرش البريطاني. والثانية تتعلق بتحذير الرئيس الصيني لضيفه من الوقوع في فخ ثيوسيديدس، والأخير هو القائد والمؤرخ العسكري اليوناني، الذي أرخ للحرب البيلوبونيزية أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، بين إسبرطة القوة البرية الراسخة، وأثينا القوة البحرية الصاعدة آنذاك، والتي حاولت إسبرطة منع صعودها فنشبت الحرب بينهما. حذر الرئيس الصيني نظيره الأمريكي من دور إسبرطة، داعياً إلى علاقة تنافسية تنطوي على تبادل المنافع بين بلديهما بديلاً عن علاقة صراع صفري يخسر فيه البلدان، والعالم.
والحقيقة أن ما طلبه الرئيس الصيني هو ما كانت أمريكا تفعله طيلة الربع الأخير من القرن العشرين. كانت الصين تعيش نهضة شاملة، لكن الفوارق كانت لا تزال كبيرة مع أمريكا، فكانت الأخيرة واثقة بنفسها، وفي النظام العالمي القائم، تُعلي من شأن القواعد القانونية المؤسسة له في العلن حتى لو خانتها في السر، كي لا تبدو وكأنها تنال من الأصول التي شيدتها، ولذا استمر النظام قائماً، بمنظمته الكبرى التي تحتضن مقرها الرئيسي، ومؤسساته الاقتصادية الواقعة تحت سلطانها الفعلي، ما ضمن لها نفوذاً واسعاً وممتداً، نجحت بفضله في إدارة صعود الصين واحتواء طموحاتها، حيث نقلت إليها مصانع الثورة الصناعية الثانية، فاستفادت من ذلك ولو لفترة مؤقتة.
أما اليوم فقد تغير الوضع، وزالت الفوارق بين البلدين في كثير من المجالات، وضاقت في بعضها. نعم لا تزال أمريكا تسبق بخطوة في حقول التكنولوجيا الفائقة، لكن الكتف صار في الكتف، وهو وضع غير مريح لدولة اعتادت الهيمنة المنفردة، يتطلب التكيف معه قدراً كبيراً من حكمة الدولة وحذق النخبة، لا يبدو متوفراً الآن. فالرئيس ترامب، الذي قُدِّر له أن يقود هذه المرحلة في تاريخ الولايات المتحدة يمثل نموذجاً نقيضا للرجل الذي قادها إلى الانتصار في الحرب الباردة، وكذلك للرجل الذي قادها في حقبة العولمة، كونه يسير بسرعة على طريــق السلطوية، ينفرد بالكثير من القرارات، ويتغول علـى سلطة الولايات، وكذلك على سلطات الكونغرس والمحكمـــة العليـــا، ويمعـــن في حصار البؤر الحية داخل المجتمع، وعلى رأسها المراكز الإعلامية والمؤسسات البحثيـة، والجامعات الكبرى بكل رمزيتها العالمية، خصوصاً هارفـارد التي ساومها على حريتها الأكاديمية مقابل الدعم المالي الفيدرالي. ثمة أيضاً عــداؤه للمهاجرين رغـــم أن أمريكا في الأصل أمة مهاجرين، وجميعها سياسات تقلل من جاذبيتها، وحضورها المألوف. يتواكب مع ذلك التراجع الداخلي فقدان متزايد للنفوذ الخارجي، نتيجة لسياسات ترامب التجارية، ونزعته العسكرية، وميوله الانعزالية، التي دفعته للانسحاب من جل المنظمات المتعددة الأطراف، وإلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية، بكل ما كانت تقدمه من مساعدات للدول الفقيرة. نعم وفّر هذا القرار بضع عشرات من المليارات، لكنه نال كثيراً من نفوذ أمريكا الذي جعلها حاضرة ومؤثرة في كل بقاع الدنيا دون جهد عسكري يذكر. وعندما تفقد هذا النفوذ، وتشعر بتضاؤل هيبتها، فالطبيعي أن تسعى إلى تعويض ذلك بمستويات متصاعدة من استخدام القوة العسكرية.
في المقابل تبدو الصين أكثر حكمة في إدارة هبوط أمريكا الاستراتيجي، إذ لا تحاول الاشتباك معها، لكنها لا تتردد في سد الفراغ الذي تتركه، وربما بطرق أفضل كثيراً منها، خصوصاً في خريطة المنح الاقتصادية. فالصين لا تقدم مساعدات مالية بقدر ما تنشئ بنية أساسية كالموانئ التجارية والمصانع التي تنطوي على الحد الأدنى من التقنية، وأيضاً ملاعب الكرة بنظام حق الانتفاع، وأحياناً تقوم بتشغيل تلك المرافق، ما يعني استثماراً مباشراً من دون اقتراض وديون تُفقر الدول الفقيرة أصلاً، وتُفسد نخبها السياسية والمالية.
وهنا تكمن المفارقة، فمحاولة تعطيل صعود الصين الاقتصادي والتقني، أصبحت آلية لتسريع فقدان أمريكا نفسها سبقها السياسي والاستراتيجي، فسلوكياتها العنيفة والمضطربة تنال من تحالفاتها التقليدية، بينما تكتسب الصين حلفاء لم يكونوا من الأصدقاء. فالهند والبرازيل قوتان كبيرتان كانتا حليفتين لأمريكا، لكنهما اليوم أقرب للصين. أما محاولة ترامب احتواء روسيا وعزلها عن الصين بوعود إنهاء الحرب الأوكرانية فغير مجدية، لأن ما يجمع بين روسيا وأمريكا أقل كثيراً مما يجمع بين روسيا والصين، سواء على صعيد المصالح الاقتصادية كالطاقة والتكنولوجيا، أو على صعيد الهوية الجيوسياسة، حيث الشراكة في حدود تزيد عن أربعة آلاف كم، والانتماء إلى النطاق الاستراتيجي الأوراسي، فضلاً عن الإرث الإيديولوجي المعادي للمركزية الغربية، إذ ينتمي كلاهما، بدرجة أو بأخرى، لما يمكن تسميته بـالشرق الحضاري.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة