لم يعد الإنسان اليوم يعاني قلة الفرص، بل كثرتها، فكلما اتسعت الحياة، ازدادت الخيارات، ومعها ازدادت الحيرة أيضاً، فأصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى أشياء كثيرة، لكنه يقضي جزءاً كبيراً من عمره محاولاً الموازنة بين ما يريد، وما يحتاج، وما يتوقعه منه العالم من حوله، بين النجاح والحياة، بين الطموح والاستقرار، وبين ما يريده حقاً وما يشعر أحياناً أن المجتمع ينتظر منه أن يكونه.
ربما كانت المرأة أكثر من عاش هذا التحول، فالمرأة لم تكن تبحث يوماً عن العمل كوظيفة فقط، بقدر ما كانت تبحث عن مساحة، مساحة للتعلّم، والتجربة، وإثبات الذات، ولأن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة الحياة، ولهذا خاضت رحلة طويلة حتى وصلت إلى حضور مؤثر في مختلف القطاعات، وإلى مشاركة حقيقية في القرار وتأثير تجاوز حدود الوظيفة إلى المجتمع بأكمله.
لكن السؤال اليوم لم يعد هل تعمل المرأة؟ بل أصبح سؤالاً أكثر عمقاً وصدقاً: كيف تريد المرأة أن تعيش حياتها؟ وهنا يبدأ التحول الحقيقي، فالنجاح لم يعد طريقاً واحداً يسير فيه الجميع بالخطوات نفسها، ولم تعد قيمة الإنسان مرتبطة فقط بحجم الإنجاز المهني أو ازدحام جدول حياته، فهناك من تجد ذاتها في العمل والطموح والإنجاز، وهناك من ترى أن مرحلة معينة من حياتها تستحق أن تمنح فيها وقتاً أكبر لأسرتها أو لأبنائها أو لوالديها، وهناك من تحاول أن تصنع توازنها الخاص بين العالمين.
ولا يبدو أن المجتمع اليوم يعود إلى الوراء، بقدر ما يعود إلى شيء من التوازن الطبيعي، إلى فهم أعمق لمعنى الحياة، وإلى إدراك أن الإنسان لا يعيش بالإنجاز المهني وحده، وأن بناء أسرة متماسكة لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات والمشاريع.
ولعل هذا ما تعكسه اليوم مبادرات ومفاهيم تعيد تسليط الضوء على قيمة التربية وصناعة الإنسان، مثل اعتماد هيئة تنمية المجتمع في دبي لمسمى «صانعة أجيال» بدلاً من «ربة منزل»، وهي تسمية تختصر معنى عظيماً، فبناء الإنسان كان دائماً من أعمق الأدوار أثراً في استقرار المجتمعات واستدامة تطورها.
كما أصبح من اللافت أيضاً أن كثيرين يعيدون تعريف النجاح بطريقة مختلفة، فهناك من يفضّل وقتاً هادئاً مع أسرته على سباق مهني لا ينتهي، ومن يختار جودة الحياة واستقرارهم النفسي على صورة النجاح التقليدية التي تربط قيمة الإنسان فقط بالإنجاز المهني والانشغال الدائم.
ولهذا تحديداً يأتي إعلان دولة الإمارات عام 2026 «عام الأسرة» تحت شعار «نماء وانتماء»، كتعبير عن مرحلة أكثر نضجاً في فهم التنمية وجودة الحياة، فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الإنجازات الاقتصادية والمهنية، بل أيضاً بقدرتنا على الحفاظ على الجذور التي نستند إليها.
وعندما نتحدث عن الأسرة، فنحن لا نتحدث فقط عن الزواج أو الإنجاب، بل عن معنى أوسع بكثير، عن أخ يسأل عن أخته، أو ابنة تمنح والديها وقتاً واهتماماً، أو عائلة تحاول أن تبقى قريبة من بعضها رغم سرعة الحياة.
ومن المهم أيضاً ألّا يُنظر إلى «عام الأسرة» باعتباره عبئاً إضافياً على جهات العمل أو ملفاً مرتبطاً فقط بالتشريعات والسياسات المرنة، فمهما تعددت المبادرات، تبقى المسؤولية الحقيقية مسؤولية أفراد قبل أن تكون مسؤولية مؤسسات، لأن المسألة في جوهرها تتعلق بالاختيار، بكيف يدير الإنسان وقته، وكيف يرتب أولوياته، وكيف يمنح عائلته حضوراً حقيقياً لا مجرد بقايا وقت وطاقة، فلا يمكن لأي سياسة أن تعوّض غياب الوعي الفردي.
وربما يكون أهم ما نحتاج أن ندركه اليوم هو الاستعداد الحقيقي للاستغناء، الاستغناء عن بعض الكماليات، وعن اللهاث المستمر خلف أنماط الحياة التي تفرضها المقارنات ومنصات التواصل الاجتماعي، وعن فكرة أن النجاح يجب أن يبدو دائماً صاخباً ومبهراً، فليست كل حياة هادئة حياة ناقصة، وليست كل عودة إلى البيت تراجعاً.
أحياناً يحتاج الإنسان فقط إلى شجاعة التوقف والاستغناء، وشجاعة الاختيار، وشجاعة أن يعيش حياته بالطريقة التي تشبهه، لا بالطريقة التي يصفق لها العالم، لكن السؤال الأهم يبقى، هل نمتلك فعلاً شجاعة الاختيار والاستغناء؟
