الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تغير جذري في أمريكا

27 مايو 2026 00:12 صباحًا | آخر تحديث: 27 مايو 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تشير الانتخابات التمهيدية لمرشحي الأحزاب الأمريكية لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني القادم إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما زال مسيطراً إلى حد كبير على حزبه الجمهوري. فمن يؤيدهم ترامب من مرشحين يحظون بثقة أعضاء الحزب في الانتخابات التمهيدية.
قد لا يعني ذلك أن كل الحزب الجمهوري مؤيد لترامب وسياساته، لكن على عكس استطلاعات الرأي التي تقيس مدى شعبية الرئيس وتشير إلى تراجعها باستمرار فإن الواقع يدل على أن القاعدة الصلبة الموالية له ما زالت كذلك.
ربما يخسر الجمهوريون أغلبيتهم في مجلس النواب لصالح الحزب الديمقراطي، وتلك سمة انتخابات التجديد النصفي عامة حيث يصوت الناخبون ضد الحزب الحاكم أكثر منهم لصالح الحزب المعارض. بل وربما لا يكون الرئيس القادم بعد نحو عامين جمهورياً، على الرغم من أن كل المؤشرات تدل على أن الديمقراطيين ليسوا في وضع يمكنهم من الفوز.
لكن كل ذلك لا يخفي حقيقة مهمة وهي أن السياسة في الولايات المتحدة تشهد تغييراً جذرياً يتجاوز الحزبين وكل التصورات التقليدية السابقة. بدأ هذا التغير مع رئاسة ترامب الأولى حين انتخب في عام 2016، ولم تنل منه فترة رئاسة الديمقراطي جو بايدن.
في الفترة الرئاسية الثانية الحالية لترامب يترسخ هذا التغير الجذري، ليس فقط بسبب تعديلات القوانين والسياسات التي تنال من «المؤسسة التقليدية» للحكم، وإنما نتيجة شبه انقلاب أوسع نطاقاً يطال المجتمع كله تقريباً. ذلك التغير لا يقتصر على النخبة ولا مجتمع الأعمال وإنما يمتد ليشمل أركان المجتمع الأمريكي كلها.
بالطبع يظل التأثير الأكبر لذلك التغير الجذري في مؤسسات الحكم من ناحية وفي زمرة السوق والشركات الكبرى معها أيضاً. بالنسبة لجهاز السلطة الواسع، أو ما يسمى «المؤسسة» أو ما يسميه البعض «الدولة العميقة»، فلم تعد بهذا العمق ولا بتلك المؤسسية. فترامب يحكم بالأوامر التنفيذية وليس بالطريقة التقليدية التي تعني قوانين تقرها السلطة التشريعية أولاً. أما بالنسبة للسلطة القضائية، فإن الرئيس بدأ منذ مطلع العام الماضي حملة واسعة على القضاء شعارها «مواجهة تسييسه» وواقعها العملي «إلغاء» دور القضاء في إعاقة السلطة التنفيذية عن سياساتها – حتى لو لم تتفق تماماً مع الدستور.
أما بالنسبة للسلطة التنفيذية، التي يعد الرئيس قمتها ومديرها الأعلى، فهي تشهد هزات عنيفة تخلخل كل الأسس السابقة التي عرفتها أمريكا. إذ اختار الرئيس فريق عمله على رأس الوزارات والإدارات بطريقة غيرت الولاءات تماماً، من الالتزام بقواعد البيروقراطية الراسخة إلى السير في ركاب الرئيس وما يريده ويتمناه. هناك أيضاً تغير مهم يشهده مجال الأسواق والأعمال وهو تسيد توجه جديد يقوده التطور التكنولوجي على حساب المجمع الصناعي – العسكري التقليدي. وتدفع سياسات إدارة ترامب إلى ترسيخ ذلك التوجه بقرارات وقوانين تضع قطاعات مثل المشفرات والذكاء الاصطناعي وأمثالها في المقدمة. وأغلب قيادات شركات تلك القطاعات من الموالين للرئيس وتوجهاته.
حتى الإعلام، الذي كان يعتبر إلى حد ما «سلطة رابعة»، إلى جانب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، يشهد ذلك التغير الجذري أيضاً. ففضلاً عن هيمنة مواقع التواصل على حساب الإعلام التقليدي فإن هناك توجهاً لتركيز وسائط الإعلام الكبرى في أيدي مجموعة صغيرة من الرجال الأثرياء – وكلهم تقريباً من «رجال الرئيس».
في الدائرة الأوسع، يتراجع دور مراكز الأبحاث ومؤسسات الفكر التي كانت من قبل «تدعم صناع القرار في السياسة والاقتصاد». ومع أن ذلك التراجع بدأ منذ نهاية القرن الماضي إلا أنه الآن في مرحلة تشبه الانهيار مع إهمال السلطة لأي رأي أو استشارة من خارج دائرة الرئيس الضيقة.
بغض النظر عن نتائج انتخابات التجديد النصفي بعد ستة أشهر، والانتخابات الرئاسية بعد نحو عامين لا يصعب تصور أن هذا التغير الجذري في أمريكا يمكن عكس مساره. بل على الأرجح سيستمر حتى يترسخ تماماً. لذا من الخطأ التعامل مع أمريكا على أساس تصورات أو مفاهيم أو قواعد سابقة. وعلى العالم «ربط الأحزمة» والاستعداد لأمريكا مختلفة تماماً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة